من روائع البيان في قوله تعالى ****
(( و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان )) ****
ذكر علماء اللغة و البيان عنها ما يلي:****
****
1- أنها الآية الوحيدة التي خالفت بقية الآيات التي تبدأ بسؤال الناس للنبي
الكريم ، حيث كلها تأتي بصيغة ((يسألونك)) مثل ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال
فيه قل .. يسألونك عن الخمر و الميسر قل ...، يسألونك عن الأنفال قل ... ، و
يسألونك عن اليتامى قل ... ، يسألونك ماذا أحل لهم قل ... ، و يسألونك ماذا
ينفقون قل ... ، يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل ... ، و يسألونك عن الروح
قل ... ، و يسألونك عن الجبال فقل ... )) إلا هذه الآية ! فمن عظمة الله أنه
سبق المؤمنين بالسؤال و هم لم يسألوا بعد! و كأنه سؤال افتراضي ، فإن الله هو
الذي وضع السؤال و بادر بالإجابة من قبل أن يُسأل حباً منه بالدعاء و بسرعة
الإجابة ! فانظر إلى واسع رحمته!****
2- على غرار (( و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا )) كان القياس أن
يقول (و إذا سألك عبادي عني فقل ربي قريب يجيب دعوة الداع ) لكنه تبارك و
تعالى تكفل بالإجابة بنفسه وقال (( فإني قريب أجيب دعوة الداع )) فابتدأ جوابه
بأنه قريب للدلالة على عدم حاجته للوسطاء و الأولياء أولاً ، وللدلالة على
حفاوته بالدعاء و بالسائلين ثانياً. فلم يتحدث بضمير الغائب عن ذاته فلم يقل
((يجيب دعوة الداع)) لأنه يدل على البعد و العلو ، بل نسبها لنفسه للدلالة على
دنوه و قربه من السائلين !****
3- أنه تعالى لم يعلق الإجابة بالمشيئة كأن يقول (أجيبه إن أشاء) ، بل قطع
و أكد بأنه يجيب دعوة الداع.****
4- أنه قدم جواب الشرط على فعل الشرط ، فلم يقل (إذا دعان أستجب له) و
ذلك للدلالة
على قوة الإجابة و سرعتها.****
5- أنه قال ((أجيب دعوة الداع إذا دعان)) و لم يقل (أجيب دعوة الداع إن
دعان) و في هذا معانٍ بلاغية غاية في الدقة، منها أنه استخدم أداة الشرط
((إذا)) و لم يستخدم أداة الشرط ((إن)) ، فما الفرق بينهما؟****
السبب أن (إن) تستخدم للأحداث المتباعدة و المحتملة الوقوع و المشكوك فيها و
النادرة و المستحيلة ، كقوله ((قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)) و
قوله ((و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)) لأن الأصل عدم اقتتال المؤمنين ، و
قوله ((ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)) ، و لم يقل (إذا)
استقر مكانه و قد علمنا أن الجبل دك دكاً! و كقوله ((قل أرأيتم إن جعل الله
عليكم الليل سرمدا)). بينما (إذا) تعني المضمون حصوله أو كثير الوقوع ، مثل
قوله ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)) لأن الموت واقع لا محالة ! و قوله ((و
ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم)) و قوله ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم)) و
قوله ((فإذا قضيت الصلاة)) ، و لذلك نرى أن كل أحداث يوم القيامة تأتي ب (إذا)
و لم تأت بـ (إن) ، مثال ذلك قوله ((إذا زلزلت الأرض زلزالها)) و قوله ((إذا الشمس
كورت و إذا النجوم انكدرت و إذا الجبال سيرت ...)) و قوله ((إذا وقعت
الواقعة)) و غيرها من أحدث يوم القيامة حيث لم تأت أيا ًمنها بأداة الشرط (إن)
لأنها تحتمل الندرة و عدم الوقوع. ****
و من روعة هذا البيان هو حينما تأتيان معاً في موضع واحد فيستخدم (إذا) للكثرة
و (إن للندرة) مثل قوله تعالى ((إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. و إن
كنتم جنبا )) فجاء بأ (إذا) للوضوء لأنه كثير الوقوع و (إن) للجنب لأنه نادر
الحصول ، و مثل قوله ((فإذا أحصن فإن أتين بفاحشةٍ)) فالإحصان متكرر و الفاحشة
من النوادر!****
فمن هذا نفهم أن المعنى من قوله تعالى ((إذا دعانِ)) أنه يشير إلى كثرة الدعاء
و بأنه دعاء متكرر مستمر كثير و ليس نادراً قليلاً ! لأن الله يغضب إن لم يدعَ
، و القلب الذي لا يدعو قلبٌ قاسٍ ، ألم تر إلى قوله تعالى ((فأخذناهم
بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون ، فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم))
و قوله ((و لقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون)).****
6- ثم لاحظ أنه قال ((أجيب دعوة الداع)) و لم يقل ((أجيب الداع)) ! لأن
الدعوة هي المستجابة و ليس شخص الداع ، و في هذا إشارة دقيقة جداً إلى مكانة
الدعوة بغض النظر عن شخصية الداع!****
7- قال ((عبادي)) بالياء و لم يقل ((عبادِ)) فما الفرق؟ ****
((عبادي)) تشير إلى عدد أكبر من ((عباد)) فالياء تعني أن مجموعة العباد أكثر ،
أي يجيبهم كلهم على اختلاف ايمانهم و تقواهم ، كقوله تعالى للدلالة على الكثرة
((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)) و المسرفون كثر ، و كقوله ((قل
لعبادييقولوا التي هي أحسن)) لأن أكثرهم يجادل ، أما للقلة فيقول ((فبشر
عباد الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه)) و هؤلاء قلة ، و قوله ((وقل يا عباد الذين
آمنوا اتقوا ربكم)) و المتقون قلة !****
8- لاحظ أنه قال : ((أجيب دعوة الداع)) و كان القياس أن يقول (أجيب
دعوتهم)! و ذلك للدلالة على أنه يجيب دعوة كل داع و ليس فقط دعوة السائلين ،
فوسع دائرة الدعوة و لم يقصرها على السائلين.****
9- قال ((فإني قريب)) و لم يقل (أنا قريب) و هذا توكيد بـ (إن) المشددة
للتوكيد ، لأن أنا غير مؤكدة.****
10 - أن الآية توسطت آيات الصوم ، وهذا يعني أن الدعاء ديدن الصائم و أن
للصائم دعوة لا ترد كما ورد في الأثر ( ما لم تكن بقطيعة رحم). ****
الدعاء شعار الصائمين ، ومن عظمة الدعاء و منزلته عند الله أن الله أحاطه
بآيات الصوم الذي قال عنه في الحديث القدسي ((الصوم لي و أنا أجزي به) لأن
الصوم من شعائر الإخلاص لله لأنه شَعيرة غير ظاهرة الأثر على صاحبها ما لم
يرائي ، فكذا الدعاء أراده الله أن يكون خالصاً له و هو الذي يجزي به من دون
شرك فيه لأحد ، من دون واسطة نبي أو ولي أو شرطي أو موظف. !****
****
هذا وما كان من توفيق في التفسير فمن الله ****
وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء****
وصلِّ اللهم وسلّم على الحبيب المصطفى و آله وأصحابه وأزواجه أجمعين****
****
Comments