Shared by مروان الروقي (@MarwanAlrouqi) 2 years ago

TwitMail : 81, following: 0

3,612 views

القرار الإداري

الباب الخامس القرار الإداري موضوع القرار الإداري من أكثر المواضيع أهمية وحيوية في القانون الإداري , فهو الأسلوب الأكثر شيوعاً في أعمال الإدارة , ولا نظير له في مجال القانون الخاص , فمن شأنه أحداث آثار قانونية على عاتق المخاطبين به دون أن يتوقف ذلك على قبولهم . وفي هذا الجزء من الدراسة نجد أنه من المناسب تمييز بين القرار الإداري وأعمال الدولة الأخرى , ونبين أركانه أو عناصره وأنواعه والشروط اللازم توافرها في القرار الإداري ليكون صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية وأخيراً نبحث في نهاية القرارات الإدارية. وفي هذا السبيل سنقسم هذا الباب إلى : الفصل الأول : تمييز القرار الإداري عن أعمال الدولة الأخرى . الفصل الثاني : مفهوم وعناصر القرار الإداري . الفصل الثالث : تصنيف القرارات الإدارية . الفصل الرابع : النظام القانوني للقرارات الإدارية . الفصل الخامس : نهاية القرارات الإدارية . تمييز القرار الإداري عن أعمال الدولة الأخرى تمارس الدولة وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات ثلاث مهام أو وظائف هي الوظيفة التشريعية والوظيفة القضائية والوظيفة التنفيذية , فالوظيفة التشريعية تتضمن مهمة وضع القواعد السلوكية العامة والمجردة وتختص بممارستها السلطة التشريعية , أما الوظيفة القضائية فتتضمن الفصل في المنازعات وتختص بها السلطة القضائية . أما الوظيفة لتنفيذية فتختص بها السلطة التنفيذية التي تمارس أعمال مختلفة منها الأعمال المادية كبناء المنشآت العامة وتعبيد الطرق أو بناء الجسور , كما تصدر أعمالاً قانونية وهذه الأخيرة منها ما يصدر بإرادتها المنفردة دون مشاركة الأفراد وهذه القرارات الإدارية , ومنها الأعمال القانونية التعاقدية التي تصدر باتفاق أرادتين . ومن ثم فإن تمييز القرار الإداري ليس بالأمر السهل , فالفصل بين السلطات لا يعني الفصل التام إذ تقتصر كل هيئة على ممارسة وظيفة خاصة , إنما تمارس بعض الأعمال الداخلة أصلا في نشاط الهيئات الأخرى . ( ) فالسلطة التشريعية تمارس عملاً إدارياً عندما تصدر الميزانية والسلطة التنفيذية قد تفصل في خصومة عن طريق المجالس الإدارية ذات الاختصاص القضائي , بينما يمارس القضاء بعض الاختصاصات الإدارية المتعلقة بموظفي الهيئات القضائية فضلاً عن وظيفته الأصلية في الفصل في المنازعات . لذلك كان من الواجب تمييز القرار الإداري عن أعمال السلطة التشريعية والسلطة القضائية , ثم نبحث في تمييز القرار الإداري عن العمل المادي . المبحث الأول القرارات الإدارية والأعمال التشريعية القرارات الإدارية تقبل الطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري وعلى العكس من ذلك فإن القوانين لا يمكن الطعن فيها إلا بالطريق الدستوري المقرر . ( ) ويتردد الفقه الحديث بين معيارين لتحديد صفة العمل تشريعية أم إدارية : اولاً : المعيـار الشكلي : وفقاً للمعيار الشكلي أو العضوي يتم الرجوع إلى الهيئة التي أصدرت العمل أو الإجراءات التي اتبعت في إصداره دون النظر إلى موضوعه فإذا كان العمل صادراً من السلطة التشريعية فهو عمل تشريعي , أما إذا كان صادراً من أحدى الهيئات الإدارية بوصفها فرعاً من فروع السلطة التنفيذية فهو عمل إداري . ومن ثم يمكن تعريف العمل الإداري وفق هذا المعيار بأنه كل عمل صادر من فرد أو هيئة تابعة للإدارة أثناء أداء وظيفتها . فهذا المعيار يقف عند صفة القائم بالعمل دون أن يتعدى ذلك إلى طبيعة العمل ذاته , وهو معيار سهل التطبيق لو التزمت كل سلطة بممارسة نشاطها وأخذت بمبدأ الفصل التام بين السلطات , إلا أن طبيعة العمل تقتضي في أحيان كثيرة وجد نوع من التداخل والتعاون بين السلطات مما دعى بالفقه إلى البحث عن معيار آخر للتمييز بين القرارات الإدارية والأعمال التشريعية . ثانياً : المعيـار الموضوعي : يعتمد المعيار الموضوعي على طبيعة العمل وموضوعه بصرف النظر عن الجهة التي أصدرته أو الإجراءات التي اتبعت في إصداره فإذا تمثل العمل في قاعدة عامة مجردة فأنشأ مركزاً قانونياً عاماً اعتبر عملاً تشريعياً أما إذا تجسد في قرار فردي يخص فرداً أو أفراداً معينين بذواتهم فأنشأ مركزاً قانونياً خاصاً اعتبر عملاً إدارياً . ( ) وينقد أنصار هذا الاتجاه المعيار الشكلي لأنه يقف عند الشكليات وعدم الاهتمام بطبيعة العمل وجوهره , ويأتي في مقدمة أنصار الاتجاه الموضوعي الفقيه دوجي وبونار وجيز . ويؤمن هؤلاء الفقهاء بأن القانون يقوم على فكرتين أساسيتين هما فكرتا المراكز القانونية والأعمال القانونية : ( ) 1. المراكز القانونية : وهي الحالة التي يوجد فيها الفرد أزاء القانون وتقسم إلى قسمين : أ- المراكز القانونية العامة أو الموضوعية : وهو كل مركز يكون محتواه واحد بالنسبة لطائفة معينة من الأفراد , فترسم حدوده ومعالمه قواعد مجردة متماثلة لجميع من يشغلون هذا المركز ومثله مركز الموظف العام في القانون العام والرجل المتزوج في القانون الخاص . ب- المراكز القانونية الشخصية أو الفردية : وهي المراكز التي يحدد محتواها بالنسبة لكل فرد على حده , وهي بهذا تختلف من شخص إلى آخر ولا يمكن أن يحدد القانون مقدماً هذه المراكز لأنها تتميز بـأنها خاصة وذاتية ومثله مركز الدائن أو المدين في القانون الخاص ومركز المتعاقد مع الإدارة في القانون العام . 2. الأعمال القانونية : وتمتاز بأنها متغيرة ومتطورة بحسب الحاجة ويتم هذا التغيير أما بإرادة المشرع أو بإرادة شاغلها ويقسم " دوجي " هذه الأعمال إلى ثلاثة أقسام : أ- أعمال مشرعة : وهي كل عمل قانوني ينشئ أو يعدل أو يلغى مركزاً قانونياً عاماً أو موضوعياً من هذه الأعمال القوانين المشرعة واللوائح والأنظمة , والتي تتضمن قواعد تنظيمية عامة وغير شخصية . ب- أعمال شخصية أو ذاتية : وهي الأعمال القانونية التي تنشئ أو تتعلق بمراكز شخصية لا يمكن تعديلها إلا بإرادة أطرافه وأوضح مثال على هذه الأعمال العقود . ج- أعمال شرطية : وهي الأعمال الصادرة بصدد فرد معين وتسند إليه مركزاً عاماً , فهي تجسيد لقاعدة عامة على حالة أو واقعة فردية , ومثاله في القانون العام قرار التعيين في وظيفة عامة , فهذا القرار يعد عملاً شرطياً لأنه لا ينشئ للموظف مركزاً شخصياً , لأن هذا المركز كان قائماً وسابقاً على قرارا التعيين . وبهذا المعنى فإن العمل التشريعي عند " دوجي " هو الذي يتضمن قاعدة عامة موضوعية " قوانين أو اللوائح " بغض النظر عن الهيئة أو الإجراءات المتبعة لإصداره , في حين يعد إدارياً إذا اتسم بطابع الفردية وهذا يصدق على القرارات والأعمال الفردية والأعمال الشرطية . ( ) ويبدو أن المشرع والقضاء الفرنسيان يأخذان بالمعيار الشكلي فالأصل أن لا يقبل الطعن بالإلغاء ضد أعمال السلطة التشريعية سواء في القوانين أو القرارات الصادرة من البرلمان , واعتمد المشرع على ذلك في الأمر الصادر في 31/7/1945 المنظم لمجلس الدولة, إذ نص على أن محل الطعن بسبب تجاوز السلطة هو الأعمال الصادرة من السلطات الإدارية المختلفة . إلا أن القضاء الفرنسي لجأ في بعض الحالات إلى الأخذ بالمعيار الموضوعي للتمييز بين الأعمال الإدارية والأعمال التشريعية قابلاً الطعن بالإلغاء في أعمال البرلمان المتعلقة بتسيير الهيئة التشريعية كاللوائح الداخلية للبرلمان والقرارات الصادرة بتعيين موظفيه , لا سيما بعد صدور الأمر النظامي في 17/11/1958 الذي سمح لموظفي المجالس برفع المنازعات ذات الطابع الفردي إلى القضاء الإداري . ( ) وهو الاتجاه الذي اعتمده القضاء الإداري المصري فهو وأن اعتمد المعيار الشكلي قاعدة عامة في الكثير من أحكامه إلا انه اعتبر في أحكام أخرى القرارات الصادرة من مجلس الشعب بإسقاط عضوية أحد أعضاءه عملاً إدارياً يقبل الطعن فيه بالإلغاء . ( ) المبحث الثاني القرارات الإدارية والأعمال القضائية يشترك القضاء مع الإدارة في سعيهما الحثيث نحو تطبيق القانون وتنفيذه على الحالات الفردية , فهما ينقلان حكم القانون من العمومية والتجريد إلى الخصوصية والواقعية وذلك بتطبيقه على الحالات الفردية . ( ) ويظهر التشابه بينهما أيضا في أن الإدارة شأنها شأن القضاء تسهم في معظم الأحيان بوظيفة الفصل في المنازعات من خلال نظرها في تظلمات الأفراد وفي الحالتين يكون القرار الإداري الصادر من الإدارة والحكم القضائي الصادر من السلطة القضائية أداة لتنفيذ القانون . ومع هذا التقارب سعى الفقه والقضاء إلى إيجاد معيار للتمييز بين العمل القضائي والعمل الإداري لخطورة النتائج المترتبة على الخلط بينهما , فالقرارات الإدارية يجوز بصورة عامة إلغاؤها وتعديلها وسحبها , أما الأحكام القضائية فطرق الطعن فيها محددة تشريعياً على سبيل الحصر . وبرزت في مجال التمييز بين القرارات الإدارية والأعمال القضائية نظريات عدة يمكن حصرها في ضمن معيارين : أولاً : المعيــار الشكلي . يقوم هذا المعيار على أساس أن العمل الإداري هو ذلك العمل أو القرار الذي يصدر عن فرد أو هيئة تابعة لجهة الإدارة بصرف النظر عن مضمون وطبيعة العمل أو القرار ذاته, بينما يعد العمل قضائياً إذا صدر عن جهة منحها القانون ولاية القضاء وفقاً لإجراءات معينة , بصرف النظر عن مضمون وطبيعة العمل . وهذا المعيار منتقد من حيث أنه ليس جل الأعمال القضائية أحكاماً , بل أن منها ما يعد أعمالاً إدارية بطبيعتها , ومن جانب آخر نجد أن المشرع كثيراً ما يخول الجهات الإدارية سلطة الفصل في بعض المنازعات فيكون لهذه الجهات اختصاص قضائي . وعلى هذا الأساس فإن المعيار الشكلي لا يكفي لتمييز الأعمال الإدارية عن الأحكام القضائية . ثانياً : المعيار الموضوعي : المعيار الموضوعي أو المادي يقوم على أساس النظر في موضوع وطبيعة العمل نفسه دون اعتبار بالسلطة التي أصدرته , واعتمد هذا المعيار عناصر عدة يتم من خلالها التوصل إلى طبيعة ومضمون العمل , فيكون العمل قضائياً , إذ تضمن على " أدعاء بمخالفة القانون , وحل قانوني للمسألة المطروحة يصاغ في تقرير , وقرار هو النتيجة الحتمية للتقرير الذي انتهي إليه القاضي " . ( ) في حين يكون العمل إدارياً إذا صدر من سلطة تتمتع باختصاص تقديري وليس من سلطة تتمتع باختصاص مقيد كما في أحكام القضاء , وأن يصدر بشكل تلقائي وليس بناءً على طلب من الأفراد وأن يكون الغرض من العمل إشباع حاجات عامة . ولا شك أن هذه العناصر لا تكفي لتمييز الأعمال الإدارية عن أعمال القضاء , لأن الكثير من قرارات الإدارة إنما يصدر عن اختصاص مقيد , وكثيراً منها لا يصدر إلا بطلب من الأفراد . والإدارة عندما تفصل في المنازعات باعتبارها جهة ذات اختصاص قضائي إنما يقترب نشاطها من نشاط القضاء ويهدف إلى حماية النظام القانوني للدولة . إزاء ذلك نشأ معيار مختلط يقوم على أساس المزج بين المعيارين الشكلي والموضوعي إذ ينظر إلى طبيعة العمل من ناحية , والشكل الذي يظهر فيه العمل والإجراءات المتبعة لصدوره من ناحية أخرى . والمتتبع لأحكام مجلس الدولة في فرنسا يجد أنه يأخذ في الغالب بالمعيار الشكلي لتمييز العمل القضائي عن القرار الإداري إلا أنه يتجه في بعض الأحيان إلى المعيار الموضوعي فهو يمزج بين المعيارين الشكلي والموضوعي لأن العمل القضائي الذي لا يعد قراراً إدارياً ولا يخضع للطعن أمام القضاء الإداري لا يشمل حتماً كل ما يصدر عن الجهة القضائية . ( ) ,يبدو أن القضاء الإداري المصري قد واكب هذا الاتجاه فقد قضت محكمة القضاء الإداري : " أن شراح القانون العام قد اختلفوا في وضع معايير التفرقة بين القرار الإداري والقرار القضائي فمنهم من أخذ بالمعيار الشكلي , ويتضمن أن القرار القضائي هو الذي يصدر من جهة منحها القانون ولاية القضاء , ومنهم من أخذ بالمعيار الموضوعي وهو ينتهي إلى أن القرار القضائي هو الذي يصدر في خصومة لبيان حكم القانون فيها و بينما رأى آخرون أن يؤخذ بالمعيارين معاً – الشكلي والموضوعي – وقد اتجه القضاء في فرنسا ثم في مصر إلى هذا الرأي الأخير وعلى أن الراجح هو الأخذ بالمعيارين معاً مع بعض الضوابط , وبيان ذلك أن القرار القضائي يفترق عن القرار الإداري في أن الأول يصدر من هيئة قد استمدت ولاية القضاء من قانون محدد لاختصاصها مبين لإجراءاتها وما إذا كان ما تصدره من أحكام نهائياً أو قابلاً للطعن مع بيان الهيئات التي تفصل في الطعن في الحالة الثانية وأن يكون هذا القرار حاسماً في خصومة , أي في نزاع بين طرفين مع بيان القواعد التي تطبق عليه ووجه الفصل فيه".( ) المبحث الثالث القرارات الإدارية والأعمال المادية العمل المادي مجرد واقعة مادية غير مؤثرة في المراكز القانونية التي تتصل بها, فإذا كان وجود الأثر القانوني هو معيار القرارات الإدارية , فإن غيبة هذا الأثر تصبح هي معيار الأعمال المادية . ( ) والأعمال المادية أما أن تكون أفعالاً إرادية أرادتها الإدارة وتدخلت لتحقيقها , مثل الإجراءات التنفيذية التي لا تسمو لمرتبة القرار الإداري كهدم المنازل الآيلة للسقوط تنفيذاً لقرار الإدارة بالهدم . وقد تكون أفعالاً غير إرادية تقع بطريق الخطأ والإهمال مثل حوادث السير التي يسببها أحد موظفي الإدارة . والأعمال المادية لا تعتبر من قبيل الأعمال القانونية الإدارية لأنها لا ترتب آثاراً قانونية مباشرة وتخرج هذه الأعمال عن نطاق الطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري . وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن : " محل العمل المادي الذي لا يختص به القضاء الإداري يكون دائماً واقعة مادية أو أجراء مثبتاً لها دون أن يقصد به تحقيق آثار قانونية إلا ما كان منها وليد إرادة المشرع مباشرة لا أرادة جهة الإدارة " . ( ) وبهذا يتميز محل العمل القانوني عن العمل المادي الذي يكون دائماً نتيجة مادية واقعية " . ( ) وعلى الرغم من ذلك فإن عدم اعتبار العمل المادي قراراً إدارياً وأن كان يمنع الطعن فيه بالإلغاء , فأنه يصح أن يكون محلاً لمنازعة إدارية تمس مصالح الأفراد فيكون محلاً لطلب التعويض على أساس دعوى القضاء الكامل . ومن المستقر في القضاء الإداري أن كل قرار لم يصدر عن أرادة الإدارة في أحداث أثر قانوني سلبياً كان أن إيجابياً لا يعد قراراً أدارياً صالحاً للطعن فيه بالإلغاء ولا يعدو أن يكون أجراءً تنفيذياً أو عملاً مادياً . الفصل الثاني مفهوم القرار الإداري وعناصره في هذا الجزء من الدراسة نبحث في تعريف القرار الإداري والعناصر الأزمة لوجوده صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية . المبحث الأول تعريف القرار الإداري نال موضوع القرار الإداري عناية الكثير من الفقهاء , كما أسهم القضاء الإداري في الكشف عن الكثير من ملامحه , ومع اختلاف تعريفات الفقه والقضاء للقرار الإداري من حيث الألفاظ فأنه ينم عن مضمون واحد . فقد عرفه العميد " دوجي " بأنه كل عمل إداري يصدر بقصد تعديل الأوضاع القانونية كما هي قائمة وقت صدوره أو كما تكون في لحظة مستقبلة معينة . وعرفه " بونار " بأنه كل عمل إداري يحدث تغييراً في الأوضاع القانونية القائمة.( ) وعرفه " رفيرو " بأنه العمل الذي بواسطته تقوم الإدارة باستعمال سلطتها في تعديل المراكز القانونية بإرادتها المنفردة . ( ) أما في الفقه العربي , فقد عرفه الدكتور " سامي جمال الدين " بأنه تعبير عن الإرادة المنفردة لسلطة إدارية بقصد أحداث أثر قانوني معين . ( ) وجاء في تعريف الدكتور " ماجد راغب الحلو " بأن القرار الإداري هو إفصاح عن إرادة منفردة يصدر عن سلطة إدارية ويرتب آثاراً قانونية . ( ) أما القضاء الإداري المصري فقد استقر على تعريفه أنه أفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضي القوانين واللوائح بقصد أحداث أثر قانوني معين ابتغاء مصلحة عامة . ( ) ويتضح من هذا التعريف أن هناك عدة شروط يجب توافرها لنكون أمام قرار إداري وهي : - أن يصدر القرار من سلطة إدارية وطنية . - أن يصدر بالإرادة المنفردة للإدارة . - ترتيب القرار لأثار قانونية . أولاً : أن يصدر القرار من سلطة إدارية وطنية : يشترط في القرار الإداري أن يصدر من سلطة إدارية وطنية سواء أكانت داخل حدود الدولة أو خارجها من دون النظر إلى مركزية السلطة أو عدم مركزيتها , والعبرة في تحديد ما إذا كانت الجهة التي أصدرت القرار وطنية أم لا ليس بجنسية أعضائها , وإنما بمصدر السلطة التي تستمد منها ولاية إصدار القرار . ولنكون أمام قرار إداري ينبغي أن يصدر هذا القرار من شخص عام له الصفة الإدارية وقت إصداره ولا عبرة بتغير صفته بعد ذلك , وهو ما يميز القرار الإداري عن الأعمال التشريعية والقضائية التي بيناها وفقاً للمعيار الشكلي , إذ يتم النظر إلى صفة الجهة التي قامت بالعمل والإجراءات المتبعة في إصداره . ووفقاً لهذا الشرط لا يمكن اعتبار القرارات الصادرة عن أشخاص القانون الخاص قرارات إدارية إلا في حالتين اعترف فيهما القضاء الإداري بالصفة الإدارية للقرارات الصادرة من أشخاص القانون الخاص , تتعلق الحالة الأولى بالقرارات الصادرة عن الموظف الفعلي أو الظاهر , وهو شخص تدخل خلافاً للقانون في ممارسة اختصاصات وظيفة عامة , متخذاً مظهر الموظف القانوني المختص . ( ) أما في الحالة الثانية فتتعلق بالقرارات الصادرة من ملتزم المرافق العامة . ( ) ثانياً : صدور القرار بالإدارة المنفردة للإدارة . يجب أن يصدر القرار من جانب الإدارة وحدها , وهو ما يميز القرار الإداري عن العقد الإداري الذي يصدر باتفاق أرادتين سواء أكانت هاتين الإرادتين لشخصين من أشخاص القانون العام أو كان أحدها لشخص من أشخاص القانون الخاص . والقول بضرورة أن يكون العمل الإداري صادراً من جانب الإدارة وحدها ليكتسب صفة القرار الإداري لا يعني أنه يجب أن يصدر من فرد واحد , فقد يشترك في تكوينه أكثر من فرد كل منهم يعمل في مرحلة من مراحل تكوينه لأن الجميع يعملون لحساب جهة إدارية واحدة . ( ) ثالثاً : ترتيب القرار لآثار قانونية . لكي يكون القرار إدارياً يجب أن يرتب آثاراً قانونية وذلك بإنشاء أو تعديل أو إلغاء مركز قانوني معين , فإذا لم يترتب على العمل الإداري ذلك فإنه لا يعد قراراً إدارياً . لهذا نجد القضاء الإداري الفرنسي يشترط في القرار المطعون فيه بالإلغاء أن ينتج ضرراً برافع الدعوى . ( ) ومن ثم تكون له مصلحة في إلغاء هذا القرار ويتطلب توفر عنصرين أساسين للقول بوجود مصلحة للطاعن هما : 1. وجوب تولد آثار قانونية عن القرار المطعون فيه , ومن ثم يجب استبعاد القرارات التي لا يحدث آثاراً قانونية من نطاق دعوى الإلغاء . ( ) 2. أن يحمل القرار قابلية أحداث آثار قانونية بنفسه . ( ) وبناءً على ذلك فإن الأعمال التمهيدية والتقارير والمذكرات التحضرية التي تسبق اتخاذ القرار لا تعد قرارات إدارية لعدم تحقق هذين العنصرين , ونجد أنه من المناسب أن نبين مضمون بعض هذه الأعمال : أ- الأعمال التمهيدية والتحضرية : وهي مجموعة من القرارات التي تتخذها الإدارة وتتضمن رغبات واستشارات وتحقيقات تمهيدا لإصدار قرار إداري وهذه الأعمال لا تولد آثاراً قانونية ولا يجوز الطعن فيها بالإلغاء . ب- المنشورات والأوامر المصلحية : وهي الأعمال التي تتضمن تعليمات وتوجيهات صادرة من رئيس الدائرة إلى مرؤوسيه لتفسير القوانين أو اللوائح وكيفية تطبيقها وتنفيذها , ما دامت هذه المنشورات لم تتعد هذا المضمون أما إذا تضمنت أحداث آثار في مراكز الأفراد فأنها تصبح قرارات إدارية يقبل الطعن فيها بالإلغاء . ج- الأعمال اللاحقة لصدور القرار : الأصل أن هذه الأعمال لا ترتب آثراً قانونياً لأنها أما أن تكون بمثابة إجراءات تنفيذية لقرارات سابقة فلا يقبل الطعن فيها بالإلغاء لأنها تنصب على تسهيل تنفيذ القرار الإداري السابق , ولا تشير إلى قرارات مستقبلة فلا يكون الأثر المترتب عليها حالاً . د- الإجراءات الداخلية : وتشمل إجراءات التنظيم للمرافق العامة التي تضمن حسن سيرها بانتظام واطراد , والإجراءات التي يتخذها الرؤساء الإداريون في مواجهة موظفيهم المتعلقة بتقسيم العمل في المرفق وتبصير الموظفين بالطريق الأمثل لممارسة وظائفهم . وهذا النوع من الإجراءات لا يدخل من ضمن القرارات الإدارية التي يجوز الطعن بها أمام دوائر القضاء الإداري لأنها لا تؤثر في المراكز القانونية للأفراد . المبحث الثاني عناصر القرار الإداري يقوم القرار الإداري على عناصر أساسية إذا لم يستوفها يكون معيباً أو غير مشروع , وقد درج الفقه والقضاء على أنه يلزم أن يتوافر للقرار الإداري باعتباره عملاً قانونياً خمس عناصر لينتج آثاره ويكون صحيحاً هي : الاختصاص , الشكل , السبب , المحل , الغاية . أولاً : الاختصـاص . أن توزيع الاختصاصات بين الجهات الإدارية من الأفكار الأساسية التي يقوم عليها نظام القانون العام ويراعى فيها مصلحة الإدارة التي تستدعي أن يتم تقسيم العمل حتى يتفرغ كل موظف لأداء المهام المناطة به على أفضل وجه , كما أن قواعد الاختصاص تحقق مصلحة الأفراد من حيث أنه يسهل توجه الأفراد إلى أقسام الإدارة المختلفة ويساهم في تحديد المسؤولية الناتجة عن ممارسة الإدارة لوظيفتها. ويقصد بالاختصاص القدرة على مباشرة عمل إداري معين أو تحديد مجموعة الأعمال والتصرفات التي يكون للإدارة أن تمارسها قانوناً وعلى وجه يعتد به . ( ) والقاعدة أن يتم تحديد اختصاصات كل عضو إداري بموجب القوانين والأنظمة ولا يجوز تجاوز هذه الاختصاصات و إلا اعتبر القرار الصادر من هذا العضو باطلاً . وقواعد الاختصاص تتعلق بالنظام العام , لذلك لا يجوز لصاحب الاختصاص أن يتفق مع الأفراد على تعديل تلك القواعد , و إلا فإن القرار الصادر مخالفاً لهذه القواعد يكون معيباً بعيب عدم الاختصاص , ويكون لصاحب الشأن أن يطعن بهذا العيب أمام القضاء الإداري بدعوى الإلغاء ولا يسقط الدفع بهذا العيب بالدخول في موضوع الدعوى, ويجوز إبداؤه في أي مرحلة من مراحلها , وعلى القاضي أن يحكم بعدم الاختصاص تلقائياً لو لم يثيره طالب الإلغاء . وقد شبه بعض الفقهاء قواعد الاختصاص في القانون العام بقواعد الأهلية في القانون الخاص لأن كلاهما يقوم في الأساس على القدرة على مباشرة التصرف القانوني . ويتضح الاختلاف من حيث المقصود في كل منها , فالهدف من قواعد الاختصاص حماية المصلحة العامة أما قواعد الأهلية فالهدف منها هو حماية الشخص ذاته , وأن الأهلية في القانون الخاص هي القاعدة , أما عدم الأهلية فاستثناء على هذه القاعدة , ويختلف الاختصاص عن ذلك في أنه يستند دائماً إلى القانون الذي يبين حدود أمكان مباشرة العمل القانوني , وأن سبب عدم الأهلية يتركز في عدم كفاية النضوج العقلي للشخص بينما يكون الدافع في تحديد الاختصاص هو العمل على التخصيص وتقسم العمل بين أعضاء السلطة الإدارية . ( ) والقواعد القانونية المتعلقة بالاختصاص يمكن حصرها بالعناصر الآتية : 1. قواعد الاختصاص من حيث الأشخاص : يشترط لصحة القرار الإداري أن يصدر من الشخص أو الهيئة المنوط بها إصداره , فلا يملك هذا الشخص أو تلك الجهة نقل اختصاصها للغير إلا في الأحوال التي يجيزها القانون بناءً على تفويض أو حل قانوني صحيح و إلا كان القرار الصادر مشوباً بعيب عدم الاختصاص . 2. قواعد الاختصاص من حيث الموضوع : يحدد القانون اختصاصات كل موظف أو جهة إدارية بموضوعات معينة فإذا تجاوز هذا الموظف أو الإدارة اختصاصاته تلك فتعدى على اختصاصات جهة أخرى , تحقق عيب عدم الاختصاص , ويكون هذا الاعتداء أما من جهة إدارية على اختصاصات جهة إدارية أخرى موازية أو مساوية لها , أو من جهة إدارية دنياً على اختصاصات جهة إدارية عليا أو من جهة أخرى إدارية عليا على اختصاصات جهة أدنى منها, أو اعتداء السلطة المركزية على اختصاصات الهيئات اللامركزية . 3. قواعد الاختصاص حيث المكان : يتم من خلالها تحديد النطاق المكاني الذي يجوز لرجل الإدارة أن يباشر اختصاصه فيه , فإذا تجاوز هذا النطاق , فإن قراراته كون مشوبة بعيب عدم الاختصاص , وهذا العيب قليل الحدوث في العمل لأن المشرع كثيراً ما يحدد وبدقة النطاق المكاني الذي يجوز لرجل الإدارة أن يمارس اختصاصه فيه وغالباً ما يتقيد الأخير بحدود هذا الاختصاص ولا يتعداه . 4. قواعد الاختصاص من حيث الزمان : وذلك بأن يتم تحديد فترة زمنية معينة يكون لرجل الإدارة أن يباشر اختصاصه فيها , فإذا أصدر قرار خارج النطاق الزمني المقرر لممارسته , كما لو أصدر رجل الإدارة قراراً إدارياً قبل صدور قرار تعيينه أو بعد قبول استقالته أو فصله من الوظيفة أو إحالته على التقاعد . كذلك إذا حدد المشرع مدة معينة لممارسته اختصاص معين أو لإصدار قرار محدد فإن القرار الإداري الصادر بعد انتهاء المدة الزمنية المعينة لإصداره يعد باطلاً ومعيباً بعدم الاختصاص إذا اشترط المشرع ذلك , فإن لم يفعل فقد درج القضاء الإداري في فرنسا ومصر على عدم ترتيب البطلان . ( ) ومخالفة قواعد الاختصاص أما أن تكون في صورة إيجابية أو في صورة سلبية , فتكون المخالفة إيجابية عندما يصدر الموظف أو الجهة الإدارية قراراً من اختصاص موظف آخر أو جهة إدارية أخرى . وتكون المخالفة سلبية عندما يرفض الموظف أو الإدارة إصدار قرار معين ظناً منهما بأن القرار غير داخل في ضمن اختصاصاتهما . ثانيـاً : الشكــل . الشكل هو المظهر الخارجي أو الإجراءات التي تعبر بها الإدارة عن إرادتها الملزمة للأفراد . والأصل أن الإدارة غير ملزمة بأن تعبر عن إرادتها بشكل معين إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك , وفي هذه الحالة يجب أن يتخذ القرار الشكلية المقررة لصدوره, كأن يشترط القانون ضرورة أن يكون القرار مكتوباً , أو استشارة جهة متخصصة قبل إصداره أو تسبيبه إلى غير ذلك من أشكال أخرى . ويحدد القانون بمعناه العام قواعد الشكل والإجراءات بما ينص عليه الدستور أو التشريع العادي أو الأنظمة و كذلك تؤدي المبادئ القانونية العامة دوراً مهماً في ابتداع قواعد شكلية غير منصوص عليها في القانون والأنظمة بالاستناد إلى روح التشريع وما يمليه العقل وحسن تقدير الأمور . ( ) وعندما يشترط القانون إتباع شكل أو إجراء معين إنما يسعى من جهة إلى تحقيق مصلحة الأفراد وعدم فسح المجال للإدارة لإصدارها قرارات مجحفة بحقوقهم بصورة ارتجالية, ومن جهة أخرى يعمل على تحقيق المصلحة العامة في ألزام الإدارة بإتباع الأصول والتروي وعدم التسرع في اتخاذ قرارات خاطئة . وقد درج القضاء الإداري على التمييز بين ما إذا كانت المخالفة في الشكل والإجراءات قد تعلقت بالشروط الجوهرية التي تمس مصالح الأفراد وبين ما إذا كانت المخالفة متعلقة بشروط غير جوهرية لا يترتب على إهدارها مساس بمصالحهم ويترتب البطلان بالنسبة للنوع الأول دون النوع الثاني . 1. الأشكال التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري : لا يمكن أن نحصر الأشكال والإجراءات التي يترتب على مخالفتها بطلان القرار الإداري إلا أن المستقر في الفقه والقضاء الإداري أن أهم هذه الشكليات تتعلق بشكل القرار ذاته , وتسبيبه والإجراءات التمهيدية السابقة على إصداره , والأشكال المقررة لحماية مصالح المخاطبين بالقرار أو التي تؤثر في الضمانات المقرر للأفراد في مواجهة الإدارة . ( ) 2. الأشكال التي لا تؤثر في مشروعية القرار الإداري : في المستقر في القضاء الإداري أنه لا يترتب البطلان على كل مخالفة للشكليات دون النظر إلى طبيعة هذه المخالفة فقد أطرد القضاء على التمييز بين الأشكال الجوهرية والأشكال الثانوية أو غير الجوهرية ورتب البطلان على الأولى دون الثانية . والتمييز بين أشكال الجوهرية والأشكال غير الجوهرية مسألة تقديرية تتقرر في ضوء النصوص القانونية ورأي المحكمة , وبصورة عامة يكون الإجراء جوهرياً إذا وصفه القانون صراحة بذلك , أو إذا رتب البطلان كجزاء على مخالفته , أما إذا صمت القانون فإن الإجراء يعد جوهرياً إذا كان له أثر حاسم , وبعكس ذلك فإنه يعد أجراء ثانوياُ ومن ثم فإن تجاهله لا يعد عيباً يؤثر في مشروعية ذلك القرار . ( ) وقد استقر القضاء الإداري على أن الإجراءات الثانوية والتي لا يترتب على مخالفتها بطلان القرار الإداري على نوعين : النوع الأول يتمثل في الأشكال والإجراءات المقررة لمصلحة الإدارة , أما النوع الثاني فيتعلق بالأشكال والإجراءات الثانوية التي لا تؤثر في مضمون القرار كإغفال الإدارة ذكر النصوص القانونية التي كانت الأساس في إصداره . ( ) ثالثاً : السبــب . سبب القرار الإداري هو الحالة الواقعية أو القانونية التي تسبق القرار وتدفع الإدارة لإصداره , فالسبب عنصر خارجي موضوعي يبرر للإدارة التدخل بإصدار القرار وليس عنصراً نفسياً داخلياً لدى من إصدار القرار . فالأصل أن الإدارة غير ملزمة بتسبيب قراراتها استناداً إلى قرينة المشروعية التي تفترض أن قرارات الإدارة تصدر بناءً على سبب مشروع وعلى صاحب الشأن إثبات العكس, أما إذا أفصحت الإدارة عن هذا السبب من تلقاء ذاتها فإنه يجب أن يكون صحيحاً وحقيقياً.( ) ما لم تكن الإدارة ملزمة بذكر سبب القرار قانوناً . وقد استقر القضاء على ضرورة توفر شرطين في سبب القرار الإداري : 1. أن يكون سبب القرار قائماً وموجوداً حتى تاريخ اتخاذ القرار , ويتفرع من هذا الشرط ضرورتان الأولى أن تكون الحالة الواقعية أو القانونية موجودة فعلاً وإلا كان القرار الإداري معيباً في سببه , والثاني يجب أن يستمر وجودها حتى صدور القرار فإذا وجدت الظروف الموضوعية لإصدار القرار إلا أنها زالت قبل إصداره فإن القرار يكون معيباً في سببه وصدر في هذه الحالة , كذلك لا يعتد بالسبب الذي لم يكن موجوداً قبل إصدار القرار إلا أنه تحقق بعد ذلك , وأن جاز يكون مبرراً لصدور قرار جديد . ( ) 2. أن يكون السبب مشروعاً , وتظهر أهمية هذا الشرط في حالة السلطة المقيدة للإدارة , عندما يحدد المشرع أسباباً معينة يجب أن تستند إليها الإدارة في لإصدار بعض قراراتها , فإذا استندت الإدارة في إصدار قرارها إلى أسباب غير تلك التي حددها المشرع فإن قراراها يكون مستحقاً للإلغاء لعدم مشروعية سببه.( ) بل أن القضاء الإداري درج على أنه حتى في مجال السلطة التقديرية لا يكفي أن يكون السبب موجوداً بل يجب أن يكون صحيحاً ومبرراً لإصدار القرار الإداري . ( ) وقد تطورت رقابة القضاء على ركن السبب في القرار الإداري من الرقابة على الوجود المادي للوقائع إلى رقابة الوصف القانوني لها إلى أن وصلت إلى مجال الملائمة أو التناسب : 1. الرقابة على وجود الوقائع : وهي أول درجات الرقابة القضائية على ركن السبب في القرار الإداري , فإذا تبين أن القرار المطعون فيه لا يقوم على سبب يبرره فأنه يكون جديراً بالإلغاء لانتفاء الواقعة التي استند عليها , أما إذا صدر القرار بالاستناد إلى سبب تبين أنه غير صحيح أو وهمي وظهر من أوراق الدعوى أن هناك أسباب أخرى صحيحة فأنه يمكن حمل القرار على تلك الأسباب . ( ) 2. الرقابة على تكييف الوقائع : وهنا تمتد الرقابة لتشمل الوصف القانوني للوقائع التي استندت إليها الإدارة في إصدار قرارها فإذا تبين أن الإدارة أخطأت في تكييفها القانوني لهذه الوقائع فأنه يحكم بإلغاء القرار الإداري لوجود عيب في سببه , بمعنى أنه إذا تحقق القاضي من وجود الوقائع المادية التي استندت إليها الإدارة في إصدار قرارها يتنقل للبحث فيما إذا كانت تلك الوقائع تؤدي منطقياً إلى القرار المتخذ . 3. الرقابة على ملائمة القرار للوقائع : الأصل أن لا تمتد رقابة القضاء الإداري لتشمل البحث في مدى تناسب الوقائع مع القرار الصادر بناءً عليها , لأن تقدير أهمية الوقائع وخطورتها مسألة تدخل ضمن نطاق السلطة التقديرية للإدارة . إلا أن القضاء الإداري في فرنسا ومصر أخذ يراقب الملائمة بين السبب والقرار المبني عليه لا سيما إذا كانت الملائمة شرطاً من شروط المشروعية وخاصة فيما يتعلق بالقرارات المتعلقة بالحريات العامة . ثم امتدت الرقابة على الملائمة لتشمل ميدان القرارات التأديبية . رابعاً : المحـل . يقصد بمحل القرار الإداري الأثر الحال والمباشر الذي يحدثه القرار مباشرة سواء بإنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إنهائه . ويجب أن يكون محل القرار ممكناً وجائزاً من الناحية القانونية , فإذا كان القرار معيباً في فحواه أو مضمونه بأن كان الأثر القانوني المترتب على القرار غير جائز أو مخالف للقانون أياً كان مصدره دستورياً أو تشريعياً أو لائحياً أو عرفاً أو مبادئ عامة للقانون , ففي هذه الحالات يكون غير مشروع ويكون القرار بالتالي باطلاً . ومخالفة القرار للقواعد القانونية تتخذ صوراً متعددة وهي : 1. المخالفة المباشرة للقاعدة القانوينة : وتتحقق هذه عندما تتجاهل الإدارة القاعدة القانونية وتتصرف كأنها غير موجودة , وقد تكون هذه المخالفة عمدية , كما قد تكون غير عمدية نتيجة عدم علم الإدارة بوجود القاعد القانونية بسبب تعاقب التشريعات وعدم مواكبة الإدارة للنافذ منها . ( ) 2. الخطأ في تفسير القاعدة القانونية : وتتحقق هذه الحالة عندما تخطأ الإدارة في تفسير القاعدة القانونية فتعطي معنى غير المعنى الذي قصده المشرع . والخطأ في تفسير القاعدة القانونية أما أن يكون غير متعمد من جانب الإدارة فيقع بسبب غموض القاعدة القانونية وعدم وضوحها , واحتمال تأويلها إلى معان عدة, وقد يكون متعمداً حين تكون القاعدة القانونية المدعى بمخالفتها من الوضوح بحيث لا تحتمل الخطأ في التفسير , ولكن الإدارة تتعمد التفسير الخاطيء فيختلط عيب المحل في هذه الحالة بعيب الغاية . 3. الخطأ في تطبيق القاعدة القانونية : ويحصل هذا الخطأ في حالة مباشرة الإدارة للسلطة التي منحها القانون إياها , بالنسبة لغير الحالات التي نص عليها القانون أو دون أن تتوفر الشروط التي حددها القانون لمباشرتها . ( ) ويتخذ الخطأ في تطبيق القانون صورتين الأولى تتمثل في حالة صدور القرار دون الاستناد إلى وقائع مادية تؤيده , ومثال ذلك أن يصدر الرئيس الإداري جزاءاً تأديبياً بمعاقبة أحد الموظفين دون أن يرتكب خطأ يجيز هذا الجزاء . أما الثانية فتتمثل في حالة عدم تبرير الوقائع للقرار الإداري , وهنا توجد وقائع معينة إلا أنها لا تكفي أو لم تستوف الشروط القانونية اللازمة لاتخاذ هذا القرار , كأن تكيف الإدارة جريمة معينة بأنها مرتكبة ضد الإدارة العامة فتصدر قراراً بإنهاء خدمات الموظف ثم يتبين عدم صحة هذا التكييف . ( ) خامسـاً : الغاية . يقصد بالغاية من القرار الإداري الهدف الذي يسعى هذا القرار إلى تحقيقه , والغاية عنصر نفسي داخلي لدى مصدر القرار , فالهدف من إصدار قرار بتعيين موظف هو لتحقيق استمرار سير العمل في المرفق الذي تم تعيينه فيه , والهدف من لإصدار قرارات الضبط الإداري هو حماية النظام العام بعناصره الثلاث السكينة العامة , والصحة العامة , و الأمن العام . وغاية القرارات الإدارية كافة تتمثل في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع , فإذا انحرفت الإدارة في استعمال سلطتها هذه بإصدار قرار لتحقيق أهداف تتعارض مع المصلحة العامة فإن قراراها يكون مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها , ويعد هذا العيب من أسباب الطعن بالإلغاء التي ترد على القرار الإداري . والأصل أن كل قرار إداري يستهدف تحقيق المصلحة العامة , ويفترض فيه ذلك, وعلى من يدعي خلاف ذلك الإثبات وعيب الانحراف بالسلطة أو الغاية عيب قصدي أو عمدي يتعلق بنية مصدر القرار الذي يجب أن يكون سيء النية يعلم أنه يسعى إلى غاية بعيدة عن المصلحة العامة أو غير تلك التي حددها القانون . ولأن هذا العيب يتصل بالبواعث النفسية الخفية لجهة الإدارة , وإثباته يتطلب أن يبحث القضاء في وجود هذه البواعث وهو أمر بعيد المنال , فقد أضفى القضاء على هذا العيب الصفة الاحتياطية فلا يبحث في وجوده طالما أن هناك عيب آخر شاب القرار الإداري, مثل عدم الاختصاص أو عيب الشكل أو مخالفة القانون . ويمكن تحديد الغاية من القرار الإداري وفقاً لثلاثة اعتبارات : 1. استهداف المصلحة العامة : السلطة التي تتمتع بها الإدارة ليست غاية في ذاتها إنما هي وسيلة لتحقيق الغاية المتمثلة بالمصلحة العامة , فإذا حادت الإدارة عن هذا الهدف لتحقيق مصالح شخصية لا تمت للمصلحة العامة بصلة كمحاباة الغير أو تحقيق غرض سياسي أو استخدام السلطة بقصد الانتقام فإن قراراتها تكون معيبة وقابلة للإلغاء . ( ) 2. احترم قاعدة تخصيص الأهداف : على الرغم من أن الإدارة تستهدف تحقيق المصلحة العامة دائماً فقد يحدد المشرع للإدارة هدفاً خاصاً يجب أن تسعى قراراها لتحقيقه وإذا ما خالفت هذا الهدف فإن قراراتها يكون معيباً بإساءة استعمال السلطة ولو تذرعت الإدارة بأنها قد قصدت تحقيق المصلحة العامة , وهذا ما يعرف بمبدأ تخصيص الأهداف ومثال ذلك قرارات الضبط الإداري التي حدد لها القانون أهدافاً ثلاثة لا يجوز للإدارة مخالفتها وهي المحافظة على الأمن العام و السكينة العامة والصحة العامة , فإذا خالفت الإدارة هذه الأهداف في قرارات الضبط الإداري فإن قرارها هذا يكون معيباً وجديراً بالإلغاء . ( ) 3. احترام الإجراءات المقررة : يتعين على الإدارة احترام الإجراءات التي بينها القانون لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه , فإذا انحرفت الإدارة في الإجراءات الإدارية اللازمة لإصدار قرار معين بإجراءات أخرى لتحقيق الهدف الذي تسعي إليه فإن تصرفها هذا يكون مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة في صورة الانحراف بالإجراءات . وتلجأ الإدارة إلى هذا الأسلوب أما لأنها تعتقد أن الإجراء الذي اتبعته لا يؤدي لتحقيق أهدافها أو أنها سعت إلى التهرب من الإجراءات المطولة أو الشكليات المعقدة , ومثال ذلك أن تلجأ الإدارة إلى الاستيلاء المؤقت على العقارات بدلاً من سيرها في طريق إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة تفادياً لطول إجراءات نزع الملكية , أو أن تقرر الإدارة ندب موظف وهي تستهدف في الحقيقة معاقبته فتلجأ إلى قرار الندب لتجريده من ضمانات التأديب الفصل الثالث تصنيف القرارات الإدارية تنقسم القرارات الإدارية إلى أنواع متعددة حسب الزاوية التي ينظر منها إلى القرار أو حسب الأساس الذي يقوم عليه التقسيم . ( ) فمن حيث التكوين توجد قرارات بسيطة وأخرى مركبة ومن حيث أثرها تقسم إلى قرارات منشئة وقرارات كاشفة ومن زاوية رقابة القضاء توجد قرارات خاضعة لرقابة القضاء وقرارات لا تخضع لرقابة القضاء وفي حيث نفاذها في مواجهة الأفراد تقسم إلى قرارات نافذة في حق الأفراد وأخرى غير نافذة في حقهم وأخيراً من حيث مدى القرارات وعموميتها توجد قرارات فردية وأخرى تنظيمية المبحث الأول القرارات الإدارية من حيث التكوين (قرارات بسيطة وقرارات مركبة ) تنقسم القرارات الإدارية من هذه الجهة إلى قسمين الأول القرارات البسيطة أو المستقلة وهي تلك القرارات التي تتميز بكيان مستقل وتستند إلي عملية قانونية واحده غير مرتبطة بعمل قانوني أخر كالقرار الصادر بتعين موظف أو ترقيته أو نقلة وهي الصورة الأكثر شيوعاً في القرارات الإداري . أما النوع أو القسم الثاني فيسمى بالقرارات المركبة وهي تلك القرارات التي تدخل في عملية قانونية مركبة تتم من عدة مراحل ومن هذه القرارات قرار نزع الملكية للمنفعة العامة وقرار إرساء المزاد أو أجراء المناقصة في العقود الإدارية . فالقرار الإداري الصادر بنزع الملكية للمنفعة العامة تصاحبه أعمال إدارية أخرى قد تكون سابقة أو معاصرة أو لاحقه له وتتم على مراحل متعددة تبدأ بتقرير المنفعة العامة للعقار موضوع نزع الملكية ثم أعداد كشوف الحصر لها وأخيراً صدور قرار نقل الملكية أو تقرير المنفعة العامة . ولهذا التقسيم أهمية تاريخية في فرنسا إذ أن القرارات التي تدخل في تكوين عمل إداري مركب كانت لا تقبل الطعن فيها بدعوى الإلغاء إمام مجلس الدولة تطبيقا لنظرية الدعوى الموازية على أساس أن القانون قد نظم لصاحب الشأن طريقا قضائيا أخر يستطيع به تحقيق ما توفره دعوى الإلغاء من مزايا وقد تخلى مجلس الدولة عن هذه النظرية بصورة تدريجية عندما سمح بالطعن بالإلغاء استقلالا في الأعمال القابلة للانفصال عن العملية المركبة ولو انه مازال يأخذ بها في دائرة ضيقة . ( ) ومن جانب أخر تظهر أهمية هذا التقسيم في أن القرارات البسيطة يمكن الطعن فيها بالإلغاء باعتبارها قرارات إدارية نهائيه أما في حالة القرارات المركبة فلا يجوز الطعن بالقرارات التمهيدية أو التحضيرية التي تتطلب تصديق جهات إدارية أخرى ولا يمكن الطعن بالإلغاء إلا بالقرار الإداري النهائي نتاج العملية المركبة . ( ) ومع ذلك فقد سمح القضاء الإداري كما بينا بفصل القرار الإداري الذي يساهم في عملية مركبة وفق ما يسمي بالأعمال القابلة للانفصال وقبل الطعن فيها بصفة مستقلة وبشروط معينة . فقد استقر القضاء الإداري في فرنسا ومصر على أن القرارات الإدارية السابقة على أبرام العقد أو الممهدة لانعقاده مثل قرارات لجان فحص العطاءات ولجان البث في العطاءات وقرار استبعاد احد المتقدمين وقرار إرساء المزايدة أو إلغائها هي قرارات إدارية مستقلة عن العقد يجوز الطعن بها بدعوى الإلغاء وسمحت نظرية الأعمال الإدارية المنفصلة لمن له مصلحة من الغير أن يطعن بالإلغاء في هذه القرارات أما المتعاقدون فليس لهم أن يطعنوا في هذه القرارات إلا أمام قاضي العقد وعلى أساس دعوى القضاء الكامل . المبحث الثاني القرارات الإدارية من حيث آثارها (قرارات منشئة وقرارات كاشفة ) يمكن تقسيم القرار الإدارية من حيث طبيعة آثارها إلى قسمين : قرارات منشئة وهي القرارات التي يترتب عليها أنشاء مراكز قانونية جديدة أو أحداث تغيير في المراكز القانونية القائمة تعديلاً أو إلغاء , كالقرار الصادر بتعيين موظف عام أو فصله أو معاقبته. أما القسم الثاني من القرارات فيسمى بالقرارات الكاشفة ويقصد بها القرارات التي لا تحدث مركزاً قانونياً جديداً وإنما تقرر حالة موجودة أو تكشف عن مركز قانوني قائم مسبقاً , مثل القرار الصادر بفصل موظف لصدور حكم ضده بعقوبة جنائية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخلة بالشرف أو القرار الذي يتضمن تأكيد أو تفسير قرار سابق دون أن يضيف إليه . ويتبين من ذلك أن أثر القرارات الكشافة ينحصر في إثبات وتقرير حالة موجودة من قبل ولا يتعدى ذلك إلى أنشاء مراكز قانونية جديدة . وتبدو أهمية التفرقة بين القرارات الإدارية الكشافة والقرارات الإدارية المنشئة في أمرين : 1. أن القرارات المنشئة ترتب آثارها منذ صدورها أما القرارات الكاشفة فترجع آثارها إلى التاريخ الذي ولدت فيه الآثار القانونية التي كشف عنها القرار , إلا أن ذلك لا يعتبر إخلالاً بمبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية , لأن أثر القرارات الكاشفة فوري إذ تكشف عن العمل القانوني المنشئ للمركز القانوني محل القرار الكاشف . ( ) 2. القرارات الكاشفة يجوز للإدارة سحبها دون التقيد بميعاد محدد مطلقاً , أما القرارات الإدارية المنشئة فإن سحبها يكون مقيد بميعاد الطعن بالإلغاء . المبحث الثالث القرارات الإدارية من حيث رقابة القضاء (قرارات تخضع للرقابة وقرارات لا تخضع للرقابة ) تنقسم القرارات الإدارية من زاوية خضوعها لرقابة القضاء , إلى قرارات تخضع لرقابة القضاء وهذا هو الأصل , وقرارات لا تخضع لرقابة القضاء وهي القرارات المتعلقة بأعمال السيادة أو تلك التي منعت التشريعات الطعن فيها أمام القضاء . أولاً : القرارات الخاضعة لرقابة القضاء . تعد رقابة القضاء على أعمال الإدارة أهم وأجدى صور الرقابة والأكثر ضماناً لحقوق الأفراد وحرياتهم لما تتميز به الرقابة القضائية من استقلال وما تتمتع به أحكام القضاء من قوة وحجية تلزم الجميع بتنفيذها و احترامها . والأصل أن تخضع جميع القرارات الإدارية النهائية لرقابة القضاء أعمالاً لمبدأ المشروعية , ومن المستقر وجود نوعين من نظم الرقابة القضائية على أعمال الإدارة الأول يسمى القضاء الموحد , أما الثاني فيسمى نظام القضاء المزدوج . 1. نظام القضاء الموحد : في هذا النظام من القضاء تنحصر الرقابة القضائية في نطاق ضيق من جانب القضاء , يتمثل في التعويض عن الأضرار التي قد تنتج من جراء تطبيق القرارات الإدارية . ( ) ويسود هذا النظام في إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى , ومقتضاه أن تختص جهة قضائية واحدة بالنظر في جميع المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أنفسهم أو بينهم وبين الإدارة أو بين الهيئات الإدارية نفسها. وهذا النظام يتميز بأنه أكثر اتفاقاً مع مبدأ المشروعة إذ يخضع الأفراد والإدارة إلى قضاء واحد وقانون واحد مما لا يسمح بمنح الإدارة أي امتيازات في مواجهة الأفراد . ( ) بالإضافة إلى اليسر في إجراءات التقاضي إذا ما قورنت بأسلوب توزيع الاختصاصات القضائية بين القضاء العادي والإداري في نظام القضاء المزدوج . ومع ذلك فقد وجه النقد إلى هذا النظام من حيث أنه يقضي على الاستقلال الواجب للإدارة بتوجيهه الأوامر إليها بما يعيق أدائها لأعمالها , مما يدفع الإدارة إلى استصدار التشريعات التي تمنع الطعن في قراراتها , ولا يخفي ما لهذا من أضرار بحقوق الأفراد وحرياتهم . ومن جانب آخر يؤدي هذا النظام إلى تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية للموظفين مما يدفعهم إلى الخشية من أداء عملهم بالوجه المطلوب خوفاً من المساءلة . 2. نظام القضاء المزدوج : يقوم هذا النظام على أساس وجود جهتين قضائيتين مستقلتين, جهة القضاء العادي وتختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة عندما تتصرف كشخص من أشخاص القانون الخاص , ويطبق القضاء على هذا النزاع أحكام القانون الخاص . وجهة القضاء الإداري تختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة عندما تظهر الأخيرة بصفتها صاحبة السلطة وتتمتع بامتيازات لا يتمتع بها الأفراد ويطبق القضاء الإداري على المنازعة قواعد القانون العام . ووفقاً لهذا النظام تخضع جميع القرارات الإدارية لرقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضاً , إلا في استثناءات معينة تتعلق بأعمال السيادة والقرارات التي حصنها المشرع من رقابة القضاء . ومن الدول التي أخذت بهذا الأسلوب فرنسا التي تعد مهد القضاء الإداري ومنها انتشر هذا النظام في كثير الدول كبلجيكا واليونان ومصر والعراق . ثانياً : القرارات غير خاضعة لرقابة القضاء . القرارات الإدارية التي لا تخضع لرقابة القضاء تتمثل في صنفين الأول يتعلق بأعمال السيادة أو الأعمال الحكومية , أما الثاني فيشمل القرارات الإدارية التي يحصنها المشرع من رقابة القضاء لاعتبارات خاصة . 1. أعمــال السيـــادة : اختلف الفقه والقضاء في تعريف أعمال السيادة , وهي في حقيقتها قرارات إدارية تصدر عن السلطة التنفيذية , وتتميز بعد خضوعها لرقابة القضاء سواء أكان بالإلغاء أو التعويض . ( ) وقد نشأت نظرية أعمال السيادة في فرنسا عندما حاول مجلس الدولة الفرنسي أن يحتفظ بوجوده في حقبة إعادة الملكية إلى فرنسا عندما تخلى عن الرقابة على بعض أعمال السلطة التنفيذية . ( ) غير أن الانتقادات الموجهة لهذا المعيار دفعت مجلس الدولة إلى التخلي عنه والأخذ بمعيار طبيعة العمل الذي يقوم على أساس البحث في موضوع العمل الإداري فإذا تعلق بتحقيق مصلحة الجماعة السياسية والسهر على احترام الدستور وسير الهيئات العامة وعلاقات الدولة مع الدول الأجنبية فإن العمل يكون من الأعمال الحكومية أو أعمال السيادة , أما إذا كانت الأعمال الإدارية التي تتعلق بالتطبيق اليومي للقوانين والإشراف على علاقات الأفراد بالهيئات الإدارية مركزية أو غير مركزية فإن العمل يكون إدارياً ويخضع لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً . ( ) في حين اتجه جانب من الفقه إلى الأخذ بمعيار آخر يسمى القائمة القضائية , يقوم على أن تحديد أعمال السيادة يعتمد على ما يقرره القضاء فهو يبين هذه الأعمال ويحدد نطاقها , وقد أسهم مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع في وضع قائمة لأعمال السيادة أهمها : - الإعمال المتعلقة بعلاقة المحكومة بالبرلمان . - القرارات الخاصة بانتخاب المجالس النيابية والمنازعات الناشئة عنها . - قرارات رئيس الجمهورية المتعلقة بالعلاقة بين السلطات الدستورية ،وممارسة الوظيفة التشريعية مثل قرار اللجوء إلى السلطات الاستثنائية المنصوص عليها المادة 16 من الدستور 1958 الفرنسي .( ) - الأعمال المتصلة بالعلاقات الدولية والدبلوماسية .( ) - الأعمال المتعلقة بالحرب.( ) 2- القرارات المحصنة في الرقابة القضاء :- من مظاهر سيادة القانون أن تخضع قرارات الإدارية جميعا لرقابة القضاء ، فهو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حقوق الأفراد في مواجهة الدولة بهيئاتها المختلفة التشريعية والتنفيذية .( ) فالقضاء يملك تقويم الإداري وإجبارها على احترام المشروعة إذا ما حادث عنها ولاشك أن في ذلك ضمان مهمة لحماية حقوق الأفراد وحرياتها ،وتتم من خلال السماح للأفراد بالطعن في قرارات الإدارية إذا مست مصالحهم طالبين إلغائها أو التعويض عنها . وإذا كان الأصل خضوع الإدارة لرقابة القضاء فان مستلزمات المصلحة العامة قد تقتضي التخفيف من صرامة هذا المبدأ فتسمح بموازنة مبدأ المشروعية من خلال نظرية السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية . إلا أن الدول تبالغ أحيانا في استعاد الكثير من القرارات الإدارية من الخضوع للطعن أمام القضاء للاعتبار مختلفة . ولاشك ان هذا الاتجاه خطير من المشرع لأن تحصينة للقرارات الادارية من الطعن ،يجرد الافراد من ضمانه مهمه في مواجهة عسف الادارة وذلك . المبحث الرابع القرارات الإدارية من حيث نفاذها في مواجهة الأفراد (قرارات نافذة وقرارات غير نافذة ) تنقسم القرارات الإدارية من حيث أثرها بالنسبة للأفراد إلى قرارات ملزمة للأفراد ونافذة بحقهم ،وعليهم احترامها وإذا قصروا في ذلك اجبروا على التنفيذ ، وهذا الأصل في القرارات الإدارية . وقرارات إدارية ويقتصر أثرها على الإدارة تسمي الإجراءات الداخلية ومنها المنشورات والتعليمات على اختلاف أنواعها وتعليمات شارحة ،أو آمره أو ناصحه أو مقرره ومؤكده ( ) وهذا النوع من القرارات غير نافذ في حق الأفراد وغير ملزم له ،ولا يحتج بها عليهم . بل ان من القضاء من أنكر على التعليمات صفتها القانونية وأعتبرها من قبيل الاعمال المادية محللين ذلك بانها موجهة من الرؤساء الاداريين الى موظفين وليس من الواجب على هؤلاء اطاعتها ولايمكن الزامهم بها الا بطريق غير مباشر عن طريق العقوبات التأديبية . بيد ان هذا القول لايمكن الاعتداد به لان مخالفة التعليمات بنتج عنها بطبيعة الحال التهديد بالمساس بالمركز الشخص للموظف ونعتقد ان هذا كاف لاضفاء طابع العمل القانوني على التعليمات .( ) الا ان مايميز هذا النوع من القرارات هو انها غير موجهه للافراد ولا ترتب أثار قانوني في مواجهتهم لانها تخاطب الموظفين فقط . ويترتب على هذا التقييم ان الاجراءات الداخلية أو التعليمات لايمكن ان تكون موضوعا لدعوى الإلغاء ،فلا يقبل من الافراد الطعن بالإلغاء ضدها لانها غير نافذة في مواجهتهم ،كما انه لايقبل من الموظف الذي تخاطبه هذه القرارات الطعن فيها بالإلغاء لانه يقع على عاتقه أطاعتها والعمل بها والاتعرض للعقوبات التأديبية . المبحث الخامس القرارات الإدارية من حيث مداها أو عموميتها (القرارات تنظمية ،قرارات فردية) تنقسم القرارات الادارية من حيث مداها الى قرارات تنظيمية أو لوائح ،وقرارات فردية ،ويعد هذا التقسيم من أهم تقسيمات القرارات الادارية لما يترتب عليه من نتائج تتعلق بالنظام القانوني الذي يخضع له كل من القرارات التنظيمية والقرارات الفردية . أولا : القرارات التنظيمية : القرارات التنظيمية هي تلك القرارات التي تحتوي على قواعد عامة مجرد تسري على جميع الافراد الذين تنطبق عليهم الشروط التي وردت في القاعدة . وعمومية المراكز القانونية التي يتضمنها القرار التنظيمي لاتعني انها تنطبق على كافة الاشخاص في المجتمع ،فهي تخاطب فرد أو فئة معينة في المجتمع معيينين بصفاتهم لابذواتهم .( ) والقرارات التنظيمية هي في حقيقتها تشريع ثانوي يقوم الى جانب التشريع العادي، الا أنه يصدر عن الادارة ،وعلى ذلك فهو تشريع ثانوي يطبق على كل من يستوفي شروطا معينة تضعها القاعدة مسبقا ولا تسنفذ اللائحة موضوعها بتطبيقها ،بل تظل قائمة لتطبق مستقبلا،( ) مع انها اقل ثباتا من القانون. وعلى الرغم من اشتراك اللائحة مع القانون من حيث انهما يتضمنان قواعد عامة مجرده ،فانهما يختلفان في مضمون كل منهما فالقانون يضع او يقرر مبادئ عامة اساسية ،بينما يقتصر دور اللائحة على ايراد الاحكام التفصيلية التي يتعرض اليها القانون كما ان القانون يصدر بعد إقراره من السلطة التشريعية ،اما القرارات التنظيمية أو اللوائح فتصدر عن السلطة التنفيذية . وتتنوع اللوائح الى عدة انواع أهما:- 1- اللوائح التنفيذية :- وهي التي تصدرها الادارة بغرض وضع القانون موضع التنفيذ ، وهي تخضع تماماً للقانون وتقيد به وتتبعه ، فلا تملك ان تعدل فيه او تضف اليه او تعطل تنفيذه. 2- لوائح الضبط :- وهي تلك اللوائح التي تصدرها الادارة بقصد المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، الامن العام ،والصحة العامة والسكنية العامة ،وهي مهمه بالغة الاهمية لتعلقها مباشرة بحياة الافراد وتقيد حرياتهم لانها تتضمن اوامر ونواهي و توقع العقوبات على مخالفيها ،مثل لوائح المرور وحماية الاغذية والمشروبات والمحال العامة . 3- اللوائح التنظيمية :- وتسمى ايضا اللوائح المستقلة وهي اللوائح التي تتعدى تنفيذ القوانين الى تنظيم بعض الامور التي لم يتطرق اليها القانون فتقترب وظيفتها من التشريع . 4- لوائح الضرورة :- وهي اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية في غيبة البرلمان أو السلطة التشريعية لمواجهة ظروف استثنائية عاجلة تهدد أمن الدولة وسلامتها ، فتمتلك السلطة التنفيذية من خلالها ان تنظم امور ينظمها القانون اصلا ويجب ان تعرض هذه القرارات على السلطة التشريعية في اقرب فرصة لاقرارها . 5- اللوائح التفويضية :- وهي القرارات التي تصدرها السلطة التنفيذية بتفويض من السلطة التشريعية لتنظيم بعض المسائل الداخلة اصلا في نطاق التشريع ويكون لهذه القرارات قوة القانون سواء اصدرت في غيبة السلطة التشريعية أو في حالة انعقادها. ثانياً : القرارات الفردية . وهي القرارات التي تنشئ مراكز قانونية خاصة بحالات فردية تتصل بفرد معين بالذات أو أفراداً معيين بذواتهم و وتستنفذ موضوعها بمجرد تطبيقها مرة واحدة . ( ) مثل القرار الصادر بتعيين موظف عام أو ترقية عدد من الموظفين . ويظهر الاختلاف بين القرارات التنظيمية أو اللوائح والقرارات الفردية فيما يلي : 1. تسري القرارات الفردية على فرد معين بالذات أو أفراد أو حالات معينة بالذات , بينما تتضمن القرارات التنظيمية قواعد عامة مجردة تطبق على كل من تتوافر فيهم شروط معينة دون أن يتم تحديد هؤلاء الأشخاص مقدماً بذواتهم أو أسمائهم . 2. يسري القرار الفردي من تاريخ إعلان صاحب الشأن به كقاعدة عامة , في حين يبدأ سريان القرارات الإدارية التنظيمية من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية . 3. تملك الإدارة الحق في تعديل القرارات التنظيمية أو إلغائها أو سحبها دون أن يكون لأحد الحق بالتمسك بحقوق مكتسبة , على اعتبار أنها تنظم قواعد عامة , في حين تخضع الإدارة في سحبها وإلغائها أو تعديلها للقرارات الإدارية الفردية لشروط معينة حددها القانون .( ) 4. تختص المحاكم العادية في تفسير القرارات التنظيمية , كما هو الحال في تفسير القوانين , في حين يختص القضاء الإداري بتفسير القرارات الإدارية الفردية . ( ) الفصل الرابع النظام القانوني للقرارات الإدارية Le Regim des decision administratives يتضمن النظام القانوني للقرارات الإدارية على امتيازات مهمة مقررة للسلطة , مثلما يحتوى على قيود ترد على حرية الإدارة , وفي هذا الجانب من الدراسة نتناول هذه الامتيازات والقيود في ثلاثة مباحث : المبحث الأول : سلطة الإدارة في إصدار القرارات الإدارية . المبحث الثاني : نفاذ القرارات الإدارية . المبحث الثالث : تنفيذ القرارات الإدارية المبحث الأول سلطة الإدارة في إصدار القرارات الإدارية تمارس الإدارة سلطتها في إصدار القرار بإتباع أسلوبين : الأول أن تمارس اختصاصاً مقيداً عندما يلزمها المشرع بوجوب التصرف على النحو معين , والأسلوب الثاني يتمثل بممارسة الإدارة اختصاصاً تقديرياً , عندما يترك لها المشرع قدراً من حرية التصرف . أولاً : الاختصاص المقيد . يقصد بالاختصاص المقيد أن لا تكون الإدارة حرة في اتخاذ القرار أو الامتناع عن اتخاذه , فالقانون يفرض عليها عند توفر شروط معينة أو قيام عناصر واقعية محددة , إصدار قرار معين , وقد يحدد الهدف الذي يتعين على الإدارة أن تعمل على تحقيقه أو الوقت المناسب لإصداره . وفي هذه الحالة تكون مهمة الإدارة مقصورة على تطبيق القانون على الحالات التي تصادفها عندما تتحقق أسبابها , فلا يترك لها أية حرية في التقدير . ( ) ومثال الاختصاص المقيد حالة ترقية الموظف بالأقدمية فإذا توفرت هذه الأقدمية فإن الإدارة مجبرة على التدخل وإصدار قراراتها بالترقية . ومع ذلك فإن المشرع قد لا يكبل الإدارة بجميع هذه القيود فمن المستحيل أن تكون جميع عناصر القرار الإداري مقيدة , لأن المهم أن يسير القرار الإداري الصادر ضمن الاختصاص المقيد للإدارة في مجال النطاق القانوني الذي رسمه المشرع حتى لا يكون مشوباً بعدم مشروعيته . ويتمثل الاختصاص المقيد في بعض عناصر القرار الإداري أكثر من الأخرى , فلا تتمتع الإدارة بحرية في مجال عنصر الاختصاص , حيث يكون قراراها باطلاً أو معدوماً إذا لم تحترم قواعد الاختصاص , وكذلك في عنصر الشكل عندما يرسم المشرع القواعد والإجراءات الواجب إتباعها عند إصدار القرار , كما يرد الاختصاص المقيد أحياناً في العناصر الموضوعية من القرار الإداري فيجب أن يكون للقرار الإداري سبب ومحل مشروعان , وأن تهدف الإدارة من إصداره إلى تحقيق المصلحة العامة . ثانياً : السلطة التقديرية يقصد بالسلطة التقديرية أن تكون الإدارة حرة في اتخاذ القرار أو الامتناع عن اتخاذه أو في اختيار القرار الذي تراه , أي أن المشرع يترك للإدارة حرية اختيار وقت وأسلوب التدخل في إصدار قرارها تبعاً للظروف . فالمشرع يكتفي بوضع القاعدة العامة التي تتصف بالمرونة تاركاً للإدارة تقدير ملائمة التصرف , شريطة أن تتوخى الصالح العام في أي قرار تتخذه وأن لا تنحرف عن هذه الغاية , و إلا كان قرارها مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة . ( ) مثال ذلك سلطة الإدارة في إصدار قرار الترقية بالاختيار على أساس الكفاءة . وتتجلى سلطة الإدارة التقديرية في عنصر السبب وهو الحالة الواقعية والقانونية التي تبرر اتخاذ القرار , والمحل وهو الأثر القانوني المترتب عنه حالاً ومباشرة , أما باقي عناصر القرار الإداري وهي الاختصاص والشكل والغاية فإنها تصدر بناءً على اختصاص مقيد . مدى رقابة القضاء على السلطة التقديرية . ترتبط السلطة التقديرية بفكرة ملائمة القرار الإداري , إذ أن المشرع منح الإدارة هذه السلطة شعوراً منه بأنها أقدر على اختيار الوسائل المناسبة للتدخل واتخاذ القرار الملائم في ظروف معينة , وأنه مهما حاول لا يستطيع أن يتصور جميع الحالات التي قد تطرأ في العمل الإداري ويضع الحلول المناسبة لها . في حين يقوم الاختصاص المقيد على فكرة مشروعية القرار الإداري , لأن الإدارة مقيدة دائماً بما يفرضه القانون , ويترتب على ذلك أن القضاء يملك بسط رقابته على مشروعية القرار الصادر بناءً على اختصاص الإدارة المقيد , ويملك إلغاؤه إذا ما تبين أنه مخالف للقانون . ويتضح مجال الرقابة على عنصر السبب في أن الإدارة تملك تقدير أهمية وخطورة الوقائع ولا تخضع في ذلك لرقابة القضاء , في حين يمارس القضاء رقابته على صحة قيام الوقائع المادية التي قام عليها القرار, وكذلك فيما يتعلق بالتكييف القانوني لهذه الوقائع . أما بالنسبة لعنصر المحل فمن الممكن القول بأن معظم الاختصاص فيه هو اختصاص تقديري فبعد أن تتحقق الإدارة من قيام الوقائع المادية , وبعد أن تكيفها التكييف القانوني الصحيح , وتقدر مدى خطورة هذه الوقائع , تنتقل إلى عنصر المحل متمتعة بسلطة تقديرية واسعة في أن تتدخل أو لا تدخل واختيار وقت هذا التدخل كما تتمتع الإدارة بسلطة تحديد الأثر القانوني الذي تريد ترتيبه , ما لم ينص المشرع على ضرورة تدخلها ووقته والأثر المترتب عليه . ( ) وقد برز في مجال رقابة القضاء على السلطة التقديرية اتجاهان فقد ذهب جانب من الفقه إلى أن القضاء يمتنع عن بسط رقابته على أعمال الإدارة المستندة إلى سلطتها التقديرية , فالقاضي بحسب رأيهم يمارس المشروعية وليس رقابة الملائمة ولا يجوز له أن يمارس سطوته على الإدارة فيجعل من نفسه رئيساً لها . ( ) في حين يذهب الجانب الآخر إلى جواز تدخل القاضي لمراقبته السلطة التقديرية على أساس ما يتمتع به القاضي الإداري من دور في الكشف عن قواعد القانون الإداري فيمكن له أن يحول بعض القضايا المدرجة في السلطة التقديرية والمرتبطة بالملائمة إلى قضايا تندرج تحت مبدأ المشروعية تلتزم الإدارة بأتباعها و إلا تعرضت أعمالها للبطلان.( ) والرأي الأكثر قبولاً في هذا المجال يذهب على أن سلطة الإدارة التقديرية لا تمنع من رقابة القضاء وإنما هي التي تمنح الإدارة مجالاً واسعاً لتقدير الظروف الملائمة لاتخاذ قراراتها وهذه الحرية مقيدة بأن لا تتضمن هذه القرارات غلطاً بيناً أو انحرافاً بالسلطة , وهي بذلك لا تتعارض مع مبدأ المشروعية بقدر ما تخفف من اختصاصات الإدارة المقيدة . المبحث الثاني نفاذ القرارات الإدارية الأصل أن يكون القرار الإداري نافذاً من تاريخ صدروه من السلطة المختصة قانوناً بإصداره , ولكنه لا يسري في حق الأفراد المخاطبين به إلا إذا علموا به عن طريق أحدى الوسائل المقررة قانوناً . ومن ثم فهناك تاريخان رئيسيان لنفاذ القرارات الإدارية هما تاريخ صدور القرار , وتاريخ العلم به أو سريانه في مواجهة الأفراد , وسنبحث هذين التاريخان ثم نبحث في مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية و أمكان أرجاء آثاره إلى المستقبل . أولاً : تاريخ صدور القرار الإداري ذاتـه . الأصل أن القرار الإداري يعد صحيحاً ونافذاً من تاريخ صدوره , ومن ثم فإنه يسرى في حق الإدارة من هذا التاريخ ويستطيع كل ذي مصلحة أن يحتج بهذا التاريخ في مواجهتها غير أن هذا القرار لا يكون نافذاً بحق الأفراد إلا من تاريخ علمهم به . إلا أن هذه القاعدة ترد عليها بعض الاستثناءات , من ذلك أن هناك من القرارات ما يلزم لنفاذها إجراءات أخرى من قبيل التصديق أو وجود اعتماد مالي , فلا ينفذ القرار إلا من تاريخ استيفاء هذه الإجراءات , كما قد تعمد الإدارة إلى أرجاء أثار القرار إلى تاريخ لاحق لتاريخ صدوره وهو ما يعرف بإرجاء أثار القرار الإداري . ( ) ثانياً : سريان القرار الإداري في مواجهة الأفراد . إذا كان القرار الإداري ينفذ في حق الإدارة بصدوره , فإنه لا يكون كذلك في مواجهة الأفراد , فيلزم لذلك علمهم به بأحدى وسائل الإعلام المقررة قانوناً , وهي : الإعلان , النشر, أو بعلم صاحب الشأن علماً يقينياً . 1. الإعلان : يقصد بالإعلان تبليغ القرار الإداري إلى المخاطب به بالذات , والأصل أن الإعلان يتم بكافة الوسائل المعروفة والتي من خلالها يمكن أن يتحقق علم صاحب الشأن بالقرار , كتسليمه القرار مباشرة أو بالبريد أو عن طريق محضر , أو لصقه في المكان المخصص للإعلان . والإعلان هو الوسيلة الواجبة لتبليغ القرارات الفردية الصادرة بصدد فرد معين بالذات أو أفراداً معينين بذواتهم أو بخصوص حالة أو حالات معينة , كما هو الحال بالنسبة لقرار تعيين موظف أو منح رخصة مزاولة مهنة معينة , وعلى ذلك لا يكفي نشر القرار لافتراض العلم به . ( ) وهذا الإعلان قد يكون تحريرياً كما يصح شفهياً و فالإدارة غير ملزمة بإتباع وسيلة معينة للإعلان إلا أن الصعوبة تكمن في إثبات التبليغ الشفهي لذلك نجد الإدارة تسعى دائماً إلى أن يكون إعلانها كتابة حتى تتجنب مخاطر التبليغ لأن من السهل عليها إثبات التبليغ الكتابي . إلا أن عدم تطلب شكلية معينة في الإعلان لا ينفي ضرورة احتواء الإعلان على مقومات تتمثل في ذكر مضمون القرار والجهة الصادر منها وأن يوجهه إلى ذوي المصلحة شخصياً أو من ينوب عنهم . ( ) 2. النشر : النشر هو الطريقة التي يتم من خلالها علم أصحاب الشأن بالنسبة للقرارات الإدارية التنظيمية أو اللائحية . وعادة ما تتضمن القرارات التنظيمية قواعد عامة مجردة تنطبق على عدد غير محدد من الحالات أو الأفراد , مما يتطلب علم الكافة به من خلال نشره . ويتم النشر عادة في الجريدة الرسمية إلا إذا نص القانون على وسيلة أخرى للنشر فيجب على الإدارة أتباع تلك الوسيلة كأن يتم في الصحف اليومية أو عن طريق لصق القرار في أماكن عامة في المدينة . وحتى يؤدي النشر مهمته يجب أن يكشف عن مضمون القرار بحيث يعلمه الأفراد علماً تاماً وإذا كانت الإدارة قد نشرت ملخص القرار فيجب أن يكون هذا الملخص يغني عن نشره كله فيحوي على عناصر القرار الإداري كافة , حتى يتسنى لأصحاب الشأن تحديد موقفهم من القرار . 3. العلم اليقيني أضاف القضاء الإداري إلى النشر والإعلان العلم اليقيني بالقرار كسبب من أسباب علم صاحب الشأن بالقرار الإداري وسريان مدة الطعن بالإلغاء من تاريخه . ( ) والعلم اليقيني يجب أن يكون متضمناً المضمون الكامل لعناصر القرار الإداري ومحتوياته فيقوم مقام النشر والإعلان , فيصبح صاحب الشأن في مواجهة القرار في حالة تسمح له بالإلمام بكافة ما تجب معرفته , فيتبين مركزه القانوني من القرار وإدراك مواطن العيب فيه , وما يمس مصلحته , فلا عبره بالعلم الظني أو الافتراض مهما كان احتمال العلم قوياً . ( ) ويمكن أن يستمد هذا العلم من أية واقعة أو قرينه تفيد حصوله دون التقيد بوسيلة معينة للإثبات وللقضاء الإداري أن يتحقق من قيام أو عدم قيام هذه القرينة وهل هي كافية للعلم أم لا , ولا يبدأ سريان مدة الطعن إلا من اليوم الذي يثبت فيه هذا العلم اليقيني . ويلزم أخيراً أمكان ثبوت العلم اليقيني في تاريخ معين حتى يمكن حساب ميعاد الطعن بالإلغاء من تاريخه , ومن ثم فلا عبره بالعلم اليقيني بالقرار حتى وأن ثبتت واقعة أو قرينة العلم به طالما أنها تمت دون أن يوضع تاريخها . ( ) ثالثاً : مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية . الأصل أن تسرى آثار القرارات الإدارية على المستقبل , ولا تسري بأثر رجعي على الماضي احتراماً للحقوق المكتسبة والمراكز القانونية التي تمت في ظل نظام قانوني سابق , و احتراماً لقواعد الاختصاص من حيث الزمان . والمسلم به في القضاء الإداري أن قاعدة عدم رجعية القرارات الإدارية هي قاعدة آمره وجزاء مخالفتها بطلان القرار الإداري ذي الأثر الرجعي , ويقوم مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية على عدة اعتبارات تتمثل في : 1. احترام الحقوق المكتسبة : إذا اكتسب الأفراد حقاً في ظل نظام قانوني معين أو رتب لهم قرار إداري مركزاً قانونياً معيناً , فأنه لا يجوز المساس بهذا المركز إلا بنص خاص و ويسرى التغيير أو التعديل في هذا المركز بأثر حال ومباشر من تاريخ العمل به وليس بأثر رجعي . 2. استقرار المعاملات بين الأفراد : المصلحة العامة تقتضي أن لا يفقد الأفراد الثقة والاطمئنان على استقرار حقوقهم و مراكزهم الذاتية التي تمت نتيجة لتطبيق أوضاع القانوينة السابقة . 3. احترام قواعد الاختصاص : تقوم قاعدة عدم رجعية القرارات لإدارية على ضرورة اعتداء مصدر القرار على اختصاص سلفه . ومن الجدير بالذكر أن بطلان القرار الإداري الذي يصدر خلافاً لقاعدة عدم الرجعية على الماضي قد لا يكون بطلاناً كلياً , كما لو صدر قرار بترقية موظف عام من تاريخ لا يستحق فيه الترقية , فإذا كان القرار سليماً فأنه يلغي جزئياً فيما يتعلق بالتاريخ المحدد للترقية , وتعتبر الترقية من التاريخ الذي استكمل فيه المدة القانونية , أما إذا كان القرار غير قابل للتجزئة فأن البطلان يشمله كله . ( ) غير أن قاعدة عدم رجعية القرارات الإدارية على الماضي لا تسري على إطلاقها فقد بدأ القضاء الإداري يخفف من حدتها فظهرت بعض الاستثناءات التي يمكن ردها إلى ما يلي :- 1. إباحة الرجعية بنص القانون : يجوز للمشرع أن يخول الإدارة بنص صريح أن تصدر قرارات معينة بأثر رجعي على اعتبار أن المشرع يمثل المصلحة العامة التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها . 2. إباحة الرجعية في تنفيذ الأحكام : الحكم القضائي الصادر بإلغاء قرار إداري يؤدي إلى إعدام هذا القرار بالنسبة للمستقبل والماضي , وحتى تنفذ الإدارة حكم الإلغاء لابد لها من إصدار قرارات متضمنة بالضرورة آثاراً رجعية , كما لو حكم القضاء بإلغاء قرار الإدارة بفصل موظف فإن الإدارة تلتزم بإعادته إلى وظيفته السابقة مع منحه الامتيازات والحقوق التي فاته التمتع بها في فترة انقطاعه عن الوظيفية . 3. رجعية القرارات الإدارية الساحبة : درج القضاء على أن قرار الإدارة بسحب القرارات الإدارية يتم بأثر رجعي نظراً لإعدامه القرار المسحوب من تاريخ صدروه, فالإدارة تملك حق سحب قراراتها التنظيمية في كل وقت سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة , وكذلك يجوز لها سحب قراراتها الفردية الغير مشروعة والمرتبة لحقوق ذاتية خلال مدة الطعن بالإلغاء . 4. رجعية القرارات المؤكدة والمفسرة : إذا صدر قرار بقصد تأكيد أو تفسير قرار سابق و فإن القرار المؤكد أو المفسر يسرى حكمه من تاريخ تطبيق القرار الأول لأنه لا يضيف أثراً جديداً له بل يقتصر على تأكيده أو تفسيره . 5. رجعية القرارات الإدارية لمقتضيات المرافق العامة : استقر القضاء الإداري في فرنسا ومصر على عدم تطبيق قاعدة رجعية القرارات الإدارية كلما تعارض تطبيقها مع مقتضيات سير المرافق العامة . ( ) رابعاً : أرجاء آثار القرار الإداري للمستقبل . في مقابل قاعدة عدم الرجعية القرارات الإدارية على الماضي تملك الإدارة في بعض الأحيان أرجاء تنفيذ القرار الإداري إلى تاريخ لاحق , ودرج القضاء الإداري على التمييز في ذلك بين القرارات الإدارية التنظيمية أو اللوائح والقرارات الإدارية الفردية : 1. القرارات الإدارية التنظيمية : تملك الإدارة أرجاء آثار القرارات التنظيمية إلى تاريخ لاحق لصدورها , لأن ذلك لا يتضمن اعتداء على سلطة الخلف , لأن هذا الخلف يملك دائماً حق سحب أو إلغاء أو تعديل قراراته التنظيمية لأنها لا ترتب حقوقاً مكتسبة بل تنشئ مراكز تنظيمية عامة . 2. القرارات الإدارية الفردية : الأصل في القرارات الإدارية الفردية أن لا يجوز للإدارة أن ترجئ آثارها للمستقبل لأن ذلك يمثل اعتداء على السلطة القائمة في المستقبل لأنه يولد عنها مراكز قانونية خاصة , يستطيع الأفراد أن يحتجوا بها في مواجهة الإدارة استناداً إلى فكرة الحقوق المكتسبة . كما لو أصدرت السلطة الإدارية الحالية قراراً بتعيين موظف وأرجئت تنفيذ هذا القرار إلى فترة لاحقة , فتكون قد قيدت السلطة الإدارية في المستقبل بقرار التعيين خلافاً لقواعد الاختصاص . ومع ذلك يجوز أحياناً ولضرورات سير المرافق العامة تأجيل آثار القرار الإداري إلى تاريخ لاحق , فيكون المرجع هنا هو الباعث وليس التأجيل ذاته , ويكون الحكم على مشروعية هذا القرار أن يكون محله قائماً حتى اللحظة المحددة للتنفيذ , فإن انعدم هذا الركن أصبح القرار منعدماً لانعدام ركن المحل فلا يرتب أثراً . ( ) المبحث الثالث تنفيذ القرارات الإدارية تتمتع الإدارة بامتيازات وسلطات استثنائية في تنفيذ قراراتها , منها قرينة المشروعية, التي تفترض سلامة قراراتها الإدارية حتى يثبت العكس , وتمتع قراراتها بقوة الشيء المقرر وقابليته للتنفيذ , وهو ما يجعل الإدارة في مركز المدعى عليها باستمرار , ويفرض على الأفراد احترام القرارات الصادرة عنها . كما تتمتع الإدارة في مجال تنفيذ قراراتها الإدارية بامتياز التنفيذ المباشر الذي يتيح لها تنفيذ القرارات الإدارية التي تصدرها بنفسها . أولاً : مفهوم التنفيذ المباشر يقصد بالتنفيذ المباشر السلطة الاستثنائية التي تملكها الإدارة في تنفيذ قراراتها بنفسها تنفيذاً جبرياً عند امتناع الأفراد عن تنفيذها اختيارياً دون اللجوء إلى القضاء , وتقوم هذه السلطة على أساس افتراض أن كل ما تصدره الإدارة من قرارات يعد صحيحاً ومطابقاً للقانون إلى أن يثبت العكس لوجود قرينة المشروعية التي تعفى الإدارة من إثبات صحة قراراتها , ومن ثم لا يقبل من أحد الامتناع عن تنفيذها لمطابقتها للقانون . وهنا يجب التمييز بين نفاذ القرار الإداري وتنفيذه فالنفاذ يتعلق بالآثار القانونية للقرار الإداري وهي عنصر داخلي في القرار الإداري , في حين يكون تنفيذ القرار بإظهار آثاره في الواقع وإخراجه إلى حيز العمل وتحويله إلى واقع مطبق يؤدي إلى تحقيق الهدف من اتخاذه.( ) ومن ثم فهناك من القرارات الإدارية ما يكفي فيها القوة التنفيذية أو النفاذ ولا تتطلب إجراءاً تنفيذياً خارجياً كقرار الإدارة بتوقيع عقوبة الإنذار على موظف عام , أو قرارات الإدارة التي تنفذ طوعية من الأفراد المخاطبين بها . أما إذا تعنت الأفراد في تنفيذ قرارات الإدارة فإن الأمر يستدعي التنفيذ المادي للقرار , وحيث أن طريق التنفيذ المباشر هو طريق استثنائي فإنه يتم اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بالتنفيذ إذا لم يقبل الأفراد بتنفيذ القرار اختيارياً ويتم ذلك عن طريق استخدام الدعوى الجنائية أو الدعوى المدنية . غير أن الإدارة باعتبارها سلطة عامة قائمة على حماية المصلحة العامة وتحقيق مصالح الأفراد وضمان سير المرافق العامة بانتظام واطراد , أتاح لها المشرع الحق في أن تنفيذ قراراتها بالقوة الجبرية إذا رفض الأفراد تنفيذها اختياراً دون حاجة إلى أذن من القضاء.( ) ثانياً : حالات التنفيذ المباشر . لأن التنفيذ المباشر يعد وسيلة استثنائية فإن الإدارة لا تلجأ إلى استخدامه إلا في حالات معينة هي : 1. النص من جانب المشرع : قد يخول المشرع الإدارة سلطة تنفيذ قراراتها تنفيذاً جبرياً دون الحاجة إلى أذن سابق من القضاء , مثال ذلك حجز الإدارة على المرتب والعلاوات والمعاشات والمكافآت وسائر المزايا المالية التي يستحقها الموظف في حدود معينه . 2. عدم وجود وسيلة قانونية أخرى لتنفيذ القرار الإداري : إذا لم يكن للإدارة وسيلة قانونية تلجأ إليها لتنفيذ القرار الإداري , كان لها أن تنفذه جبرياً لتكفل احترامه ولو لم ينص القانون على ذلك . فإذا نص المشرع على جزاءات جنائية تترتب على الأفراد في حالة امتناعهم عن تنفيذ القرار الإداري , فإنه يمنع على الإدارة استعمال سلطة التنفيذ المباشر . 3. حالة الضرورة : يجوز للإدارة أن تلجأ إلى التنفيذ المباشر في حالة وجود خطر يهدد النظام العام بعناصره الثلاثة الأمن العام و السكينة العامة و الصحة العامة , بحيث يتعذر عليها مواجهة هذا الخطر باستخدام الطرق العادية , ونظراً لخطورة اللجوء إلى التنفيذ المباشر في هذه الحالة فقد جرى القضاء والفقه على أن حالة الضرورة لا تقوم إلا بتوافر شروط معينة يمكن إجمالها بما يلي : أ-وجود خطر جسيم يهدد النظام العام بعناصره الثلاثة "الأمن,الصحة , السكينة". ب- تعذر دفع هذا الخطر بالوسائل القانونية العادية . ج-أن يكون هدف الإدارة من تصرفها تحقيق الصالح العام . د- أن يكون تصرف الإدارة في الحدود التي تقتضيها الضرورة . ثالثاً : شروط تطبيق التنفيذ المباشر . يشترط للجوء الإدارة إلى التنفيذ الجبري في الحالات السابقة توافر الشروط الآتية: 1. أن يستند القرار المراد تنفيذه إلى نص تشريعي إذ أن الفكرة الأساسية التي تبرر التنفيذ المباشر هي وجوب تنفيذ القانون , ومن ثم لا يمكن استعمال هذا الأجراء إلا لتنفيذ نص تشريعي أو قرار إداري صادر تنفيذاً للقانون . ( ) 2. اصطدم تنفيذ القانون أو القرار بامتناع من جانب الأفراد , ومن ثم على الإدارة أن تنذرهم بوجوب تنفيذ حكم القانون أو القرار طوعاً , فإذا رفضوا جاز للإدارة استعمال طريق التنفيذ المباشر . ( ) 3. يجب أن يقتصر التنفيذ المباشر على الإجراءات الضرورية لتنفيذ القرار , دون أن تنصرف وتستعمل ما يتجاوز الضروري . فإذا خالفت الإدارة هذه الشروط , وتذرعت بالتنفيذ المباشر , فأنها تتحمل ما قد ينشأ عن تنفيذ القرار من أضرار تلحق بالأفراد , ويعد إجراءاها اعتداء مادياً مع عدم المساس بالقرار الإداري الذي من الممكن أن يكون مشروعاً في ذاته . الفصل الخامس نهاية القرارات الإدارية بقصد بنهاية القرارات الإدارية انتهاء كل أثر قانوني لها , وقد تنتهي القرارات الإدارية نهاية طبيعية عندما ينفذ مضمونها , أو تنتهي المدة المحددة لسريانها , أو استنفاذ الغرض الذي صدر لأجله أو يستحيل تنفيذه لانعدام محله أو وفاة المستفيد منه , إلى غير ذلك من أسباب لا دخل لأي سلطة في تقريرها . وقد تكون نهاية القرارات الإدارية نهاية غير طبيعية بأن تتدخل أحدى السلطات الثلاث لإنهائها كأن يتدخل المشرع أو القضاء لإلغاء القرار , كما قد يصدر قرار الإنهاء من الإدارة وذلك بسحب القرار أو إلغاؤه . وسنبحث فيما يلي الصور المختلفة لنهاية القرارات الإدارية وذلك في مبحثين : المبحث الأول : نهاية القرارات الإدارية بغير عمل الإدارة . المبحث الثاني : نهاية القرارات الإدارية بعمل من جانب الإدارة . المبحث الأول نهاية القرارات الإدارية بغير عمل الإدارة ينتهي القرار الإداري نهاية لا دخل للإدارة فيها أما بنهايتها الطبيعية , أو عن طريق القضاء بحكم قضائي , ولأن الحالة الأخيرة تدخل ضمن موضوع رقابة القضاء على أعمال الإدارة فأننا سنقصر البحث في هذا الجانب من الدراسة على النهاية الطبيعية للقرار الإداري . وتنتهي القرارات الإدارية نهاية طبيعية مهما طالت مدة سريانها في الحالات التالية : أولاً : تنفيذ القرار الإداري . ينتهي القرار الإداري بمجرد تنفيذه أو استنفاذ الغرض منه , كتنفيذ القرار بإبعاد أجنبي , فإن القرار ينتهي بمغادرة ذلك الأجنبي البلاد , والقرار الصادر بهدم منزل آيل للسقوط ينتهي بهدم ذلك البيت . وقد تستدعي طبيعة بعض القرارات استمرارها لمدة طويلة من الزمن , كالقرار الصادر بترخيص محل , فلا ينتهي القرار بإنشاء المحل , بل يستمر ما دام المستفيد من الترخيص مزاولاً لنشاطه , إلا إذا تدخلت الإدارة وقامت بسحب الترخيص لمقتضيات المصلحة العامة أو لمخالفة المستفيد لشروط الاستفادة منه . ثانياً : انتهاء المدة المحددة لسريان القرار : قد يحدد المشرع مدة معينة لسريان القرار الإداري يتوقف أثره بانتهائها , كما في حالة الترخيص بالإقامة الأجنبي لمدة معينة , أو قرار منح جواز سفر ,ففي الحالتين ينتهي القرار بانتهاء المدة المحدد سلفاً لنفاذ الترخيص وجواز السفر . ثالثاً : زوال الحالة الواقعية أو القانونية التي تعلق عليها استمرار نفاذ القرار الإداري: كما لو منحت الإدارة الأجنبي الترخيص بالإقامة لأنه يعمل في جهة أو مصلحة حكومية فإذا انتهت خدمته في هذه الجهة انتهى معها الترخيص له بالإقامة . ( ) رابعاً : استحالة تنفيذ القرار : كالقرار الصادر بترخيص مزاولة مهنة معينة , ثم يتوفى المستفيد من الرخصة أو القرار الصادر بتعيين موظف يتوفى قبل تنفيذه لقرار التعيين . فالأصل في هذه الأحوال أن يرتبط مصير القرار بمصير من صدر لصالحهم إلا في بعض الحالات الاستثنائية التي تسمح بترتيب بعض آثار القرار على ورثة المستفيد . خامساً : تحقق الشرط الفاسخ الذي يعلق عليه القرار : قد يصدر القرار معلقاً على شرط فاسخ , وهو قرار كامل وتكون آثاره نافذة , غير أن تحقق الشرط الفاسخ يؤدي إلى زوال القرار من تاريخ صدروه وليس من تاريخ تحقق الشرط . ( ) كما في قرار التعيين فهو قرار فردي مقترن بشرط فاسخ يتمثل في رفض صاحب الشأن فإذا لم يتحقق الرفض استمر القرار صحيحاً ومنتجاً لآثاره , أما إذا رفض التعيين زالت آثار القرار بأثر رجعي من تاريخ صدوره وليس من تاريخ تحقق الشرط . سادساً : اقتران القرار بأجل فاسخ : قد تقرن الإدارة القرار الإداري بأجل فاسخ , فإذا حل هذا الأجل زال القرار الإداري من تاريخ حلول الأجل على خلاف القرار المعلق على شرط فاسخ الذي تزول آثاره بأثر رجعي في تاريخ صدروه . فالقرار في هذه الحالة يكون نافذاً ومنتجاً لآثاره حتى يتحقق الأجل الفاسخ , ومن ذلك القرارات الإدارية التي تحدد علاقة الموظف بالدولة والتي تنتهي حكماً ببلوغ الموظف سن التقاعد . سابعاً : الهلاك المادي للشيء الذي يقوم عليه القرار : كما لو صدر قرار بالترخيص لأحد الأشخاص باستعمال جزء من المال العام , فينتهي القرار بهلاك هذا الجزء من المال العام , أو فقده لصفة العمومية . ثامناً : تغير الظروف التي دعت إلى إصدار القرار : القرار الصادر تنفيذاً لقانون معين من الطبيعي أن ينتهي بزوال أو إلغاء القانون , إلا إذا نص على غير ذلك . المبحث الثاني نهاية القرارات الإدارية بعمل من جانب الإدارة قد ينتهي القرار الإداري نتيجة لتصرف من جانب الإدارة و يتم ذلك بوسيلتين : الإلغاء والسحب . أولاً : الإلغـاء أن سرعة تطور الحياة الإدارية وتغيرها يؤدي إلى ضرورة تطور القرارات الإدارية وتغيرها في كل وقت , لتساير هذا التطور وتجاوب مع لأوضاع المتغيرة . ( ) لذلك تلجأ الإدارة في كثير من الأحيان إلى وضع حد لتطبيق قراراتها غير المناسبة , وفق ما يسمى الإلغاء . والإلغاء بهذا المعنى هو العمل القانوني الذي يصدر عن الإدارة متضمناً إنهاء أثر القرار الإداري بالنسبة للمستقبل مع ترك آثاره التي رتبها منذ لحظة صدوره وحتى إلغاءه. والأصل أن يتم الإلغاء بقرار صادر من السلطة التي أصدرت القرار ألأصلي أو السلطة الرئاسية لها , ما لم ينص المشرع على منح سلطة أخرى هذا الحق , ومن الضروري أيضاً أن يتخذ قرار الإلغاء نفس شكل وإجراءات صدور القرار الأصلي , فإذا كان الأخير كتابياً يجب أن يكون قرار الإلغاء كتابياً أيضاً . ( ) ويختلف حق الإدارة في إلغاء قراراتها الإدارية باختلاف قراراتها تنظيمية أو فردية . 1. إلغاء القرارات الإدارية التنظيمية . لما كانت القرارات التنظيمية تنشئ مراكز عامة لا ذاتية , فإن الإدارة تملك في كل وقت أن تعدلها أو تلغيها أو تستبدل بها غيرها وفقاً لمقتضيات الصالح العام , وليس لأحد أن يحتج بوجود حق مكتسب . وإذا كان إلغاء القرارات التنظيمية يتم بهذه المرونة , فإن ذلك لا يعني عدم إلزامية القواعد التنظيمية , فهذه القواعد ملزمة لكل السلطات العامة في الدولة بما فيها السلطة التي أصدرتها , وان الخروج على أحكامها في التطبيقات الفردية غير جائز إلا إذا تقرر ذلك في القاعدة التنظيمية ذاتها . ومن ناحية أخرى يجب أن يتم إلغاء القرار التنظيمي أو تعديله بقرار تنظيمي مماثل , وأن تظل القرارات الفردية التي اتخذت بالتطبيق للقرار الملغي نافذة ومنتجة لآثارها . 2. إلغاء القرارات الإدارية الفردية . تلزم التفرقة في هذا المجال بين القرارات الفردية التي ترتب حقوقاً للأفراد وتلك التي لا تولد حقوقاً . أ- القرارات التي ترتب حقوقاً للأفراد : الأصل أن القرارات الإدارية الفردية إذا ما صدرت سليمة مستوفية للشروط التي يتطلبها القانون وترتب عليها حق شخصي أو مركز خاص , فإن الإدارة لا تملك المساس بها إلا في الحالات التي يجبرها القانون . ويقرر القفه أن احترام المراكز الخاصة التي تنشأ عن القرارات الإدارية الفردية , يعتبر مثله في ذلك مثل مبدأ المشروعية من أسس الدولة القانونية . ( ) إلا أن هذا لأصل لا يجري على إطلاقه , فالإدارة تملك أحياناً أن تلغي قراراً ترتيب عليه حقوق مكتسبة , ومن ذلك القرار الصادر بتعيين شخص في وظيفة عامة فهذا القرار ون أكسب هذا الشخص حقاً في تقلده الوظيفة العامة , فإن الإدارة تستطيع فصل الموظف في حالة ارتكابه خطأ يبرر هذا الجزاء . هذا إذا كان القرار الفردي سليماً , أما إذا القرار الفردي المنشئ لحقوق مكتسبة غير سليم , فإن الإدارة تملك أن تلغيه أو تعدل فيه وإلغائها له يمثل جزاء لعدم مشروعيته. إلا أن الإدارة لا تستطيع أن تجري هذا الإلغاء أو التعديل في أي وقت , فقد استقرت أحكام القضاء على أن القرار الإداري غير المشروع يتحصن ضد رقابة الإلغاء القضائية بفوات مدة الطعن المحددة قانوناً , وليس من المقبول أن يباح للإدارة ما لا يباح للقضاء , مما يتعين معه حرمان الإدارة من سلطة إلغائه بفوات مدة الطعن اعتباراً من تاريخ صدوره . ب- القرارات الإدارية التي لا ترتب حقوقاً للأفراد . القرارات الإدارية التي لا ترتب حقوقاً للأفراد , تستطيع الإدارة إلغائها أو تعديلها, وقد استقر الفقه على عدة أنواع منها : - القرارات الوقتية : وهي القرارات التي لا تنشئ حقوقاً بالمعنى القانوني لتعلقها بأوضاع مؤقتة ولو لم ينص على سريانها لمدة معينة , ومن ذلك القرارات الصادرة بندب موظف عام أو بمنح تراخيص مؤقتة . - القرارات الولائية : وهي القرارات التي تخول الأفراد مجرد رخصة من الإدارة لا تترتب عليها أي أثار قانونية أخرى مثل منح أحد الموظفين أجازة مرضية في غير الحالات التي يحتمها القانون , فهذا القرار لا يمكن اعتباره حقاً مكتسباً وبالتالي تملك الإدارة إلغاؤه في أي وقت . - القرارات السلبية : القرار السلبي هو ذلك القرار الذي لا يصدر في شكل الإفصاح الصريح عن إرادة جهة الإدارة بإنشاء المركز القانوني أو تعديله أو إنهائه , بل تتخذ الإدارة موقفاً سلبياً من التصرف في أمر كان الواجب على الإدارة أن تتخذ أجراءً فيه طبقاً للقانون واللوائح , فسكوت الإدارة عن الإفصاح عن أرادتها بشكل صريح يعد بمثابة قرار سلبي بالرفض , وهذا القرار لا يرتب حقوقاً أو مزايا للأفراد ويجوز إلغاؤه في أي وقت , مثل قرار الإدارة برفض منح رخصة لأحد الأفراد لمزاولة مهنة معينة . - القرارات غير التنفيذية : وهي القرارات التمهيدية التي تصدر بقصد الإعداد لإصدار قرار معين , مثل قرار الإدارة بإيقاف موظف عن عمله بقصد أحالته إلى المحاكمة التأديبية , والقرارات التي تحتاج إلى تصديق من السلطة الرآسية.( ) فهذه القرارات جميعاً يمكن للإدارة العدول عنها وإلغاؤها بالنسبة للمستقبل في أي وقت ودون التقيد بميعاد معين . ثانيـاً : السحــب . يقصد بسحب القرارات الإدارية إعدامها بأثر رجعي من تاريخ صدورها , وكأن القرار لم يولد مطلقاً ولم يرتب أية آثار قانونية . والسحب بهذا المعنى كالإلغاء القضائي من حيث أثره , إذ يترتب عليه إنهاء جميع الآثار القانونية المترتبة على القرارات الإدارية اعتباراً من تاريخ صدورها , وإذا كان من حق القضاء إلغاء القرارات الإدارية المعيبة خلال مدة معينة هي مدة الطعن بالإلغاء , فإن المنطق يحتم أن تتمتع الإدارة بحق سحب قراراتها المعيبة خلال هذه المدة, توقياً لإجراءات التقاضي المطولة , كما أن سحب الإدارة قرارها المعيب أكرم لها من إلغائه قضائياً . وفي هذا المجال يجب التمييز بين سحب القرارات الإدارية المشروعة وسحب القرارات الإدارية غير المشروعة . 1. سحب القرارات المشروعية . القاعدة العامة المستقرة فقهاً وقضاءً أنه لا يجوز سحب القرارات الإدارية المشروعة, حماية لمبدأ المشروعية وضمان الحقوق المكتسبة للأفراد , سواء أكانت قرارات فردية أو تنظيمية مع أن الأخيرة لا تنشئ مراكز شخصية بل مراكز عامة أعمالاً للاستقرار في الأوضاع القانونية وتطبيقاً لمبدأ عدم الرجعية القرارات الإدارية . غير أن القاعدة لا تجري على إطلاقها , فقد أجاز القضاء الإداري سحب القرارات الإدارية المشروعة في حالات معينة من ذلك : أ- القرارات الإدارية الخاصة بفصل الموظفين : أجاز القضاء الإداري في مصر و فرنسا ولاعتبارات تتعلق بالعدالة سحب قرار فصل الموظف , بشرط إلا يؤثر قرارا السحب على حقوق الأفراد التي قد اكتسبت , كما لو تم تعيين موظف أخر لشغل الوظيفة التي كان يقوم بها الموظف المفصول . ب- القرارات التي لا يتولد عنها حقوق للأفراد : إذا لم يترتب أي حقوق مكتسبة للأفراد عن القرار الإداري , فإن الإدارة تملك أن تسحبه , ومن ذلك قرارها بسحب قراراها بتوقيع الجزاء التأديبي على أحد موظفيها لعدم تعلق هذا القرار بحق مكتسب لشخص آخر . وهنا تظهر مسألة القرارات الإدارية التنظيمية فهي تنشئ مراكز قانونية عامة , وبالتالي لا ترتب أي حقوق مكتسبة للأفراد وهذا يعنى أمكان سحب القرارات التنظيمية في أي وقت , إلا أن هذا الحق مقيد بأن لا يرتب هذا القرار حقوقاً للأفراد ولو بطريق غير مباشر . 2. سحـب القرارات الإدارية غير المشروعة . القاعدة المستقرة في القضاء الإداري أنه يجوز للإدارة أن تسحب قراراتها غير المشروعة , كجزاء لعدم مشروعيتها واحتراماً للقانون . وأساس هذه القاعدة هو أن القرارات الإدارية المخالفة لمبدأ المشروعية لا تنشأ حقوق مكتسبة للأفراد ومن ثم يجوز إعدام آثارها بالنسبة للماضي والمستقبل . وعلى ذلك يجب أن يكون القرار موضوع السحب غير مشروع بأن يكون معيباً بأحد عيوب القرار الإداري , الشكل والاختصاص , ومخالفة القانون , والسبب , أو الانحراف بالسلطة . وقد يكون سحب القرار سحباً كلياً أو جزئياً إذا تعلق العيب في جزء منه وكان القرار قابلاً للتجزئة . والسلطة التي تملك سحب القرار هي السلطة التي أصدرته أو السلطة الرآسية لها ما لم يمنح المشرع هذا الحق لسلطة أخرى . المــدة المحددة للسحـب . يقضي مبدأ المشروعية احترام الإدارة للقانون في جميع تصرفاتها , في حين تتطلب المصلحة العامة استقرار الحقوق والمراكز القانونية القائمة , ولا بد للتوفيق بين الأمرين ن يتم سحب القرارات الإدارية المعيبة خلال مدة معينة يتحصن بعدها القرار . لذلك فقد استقر القضاء على اشتراط أن يتم سحب القرارات الإدارية الفردية خلال المدة التي يجوز فيها الطعن بالإلغاء أمام القضاء , أي خلال ستين يوماً من تاريخ صدورها بحيث إذا انقضى هذا الميعاد اكتسب القرار حصانة تمنعه من أي إلغاء أو تعديل. أما بالنسبة للقرارات الإدارية غير المشروعة فيجوز سحبها في أي وقت حسبما تقتضيه المصلحة العامة . إلا أن قاعدة التقيد بميعاد سحب القرارات الإدارية الفردية المعيبة ترد عليها بعض الاستثناءات تستطيع الإدارة فيها أن تسحب قراراتها دون التقيد بمدة معينة تمثل فيما يلي : أ- القرار المنعدم : القرار الإداري المنعدم هو القرار المشوب بعيب جسيم يجرده من صفته الإدارية ويجعله مجرد عمل مادي , لا تتمتع بما يتمتع به الأعمال الإدارية من حماية , فلا يتحصن بمضي المدة , ويجوز سحبه في أي وقت , كما يجوز لصاحب الشأن أن يلجأ إلى القضاء طالباً إلغاء القرار المنعدم دون التقيد بمواعيد رفع دعوى الإلغاء . وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن سحب هذه القرارات ليس ضرورياً , لأن جهة الإدارة يمكن أن تكتفي بتجاهلها بدون الحاجة إلى إعلان ذلك صراحة , إلا أنها تقدم على ذلك رغبة منها في أن توضح الأمور للأفراد , وعلى ذلك فلا يجوز تقييدها في هذا المجال بميعاد معين لسحب قراراتها المعدومة . ( ) ومن قبيل هذه القرارات صدور القرار من فرد عادي لا يتمتع بصفة الموظف أو من هيئة خاصة لا تمت بصلة للإدارة صاحبة الاختصاص . ( ) ب- القرار الإداري المبني على غش أو تدليس : إذا صدر القرار الإداري بناءً على غش أوتدليس من المستفيد من القرار , فإن للإدارة أن تسحب القرار دون التقيد بمدة السحب لأنه لا يوجد و الحال هذه ما يبرر حماية المركز القانوني لهذا الشخص الذي استعمل طرقاً إحتيالية بنية تضليل الإدارة وحملها على إصدار القرار استناداً إلى القاعدة التي تقرر أن الغش يفسد كل شيء . ولنكون أمام هذه الحالة لابد من أن يستعمل المستفيد من القرار طرق احتيالية للتأثير على الإدارة ,وأن تكون هذه الطرق هي التي دفعت الإدارة إلى إصدار القرار مثال ذلك قرار تعيين موظف على أساس تقديم شهادات خبرة مزورة . وقد تكون هذه الطرق الاحتيالية التي استخدمها المستفيد طرقاً مادية كافية للتضليل وأخفاء الحقيقة , وقد يكون عملاً سلبياً محضاً في صورة كتمان صاحب الشأن عمداً بعض المعلومات الأساسية التي تجهلها جهة الإدارة , ولا تستطيع معرفتها عن طريق آخر ويؤثر جهلها بها تأثيراً جوهرياً في إرادتها مع علم صاحب الشأن بهذه المعلومات وبأهميتها وخطرها . ( ) ج- القرارات الإدارية المبينة على سلطة مقيدة : القرارات الإدارية التي تصدر بناءً على سلطة مقيدة بحيث لا يترك المشرع للإدارة حرية في التقدير , فإنه يكون لها أن ترجع في قراراتها كلما أخطأت في تطبيق القانون دون تقيد بمدة . ومثال القرارات التي تصدر بناءً على اختصاص مقيد قرار الإدارة بترقية موظف على أساس الأقدمية , فإذا أخطأت الإدارة في مراعاة هذا الشرط وأصدرت قرارها متخطية الموظف المستحق إلى الموظف أحدث , جاز لها أن تسحب قرار الترقية دون التقيد بمدة معينة . وعلى العكس من ذلك إذا مارست الإدارة اختصاصاً تقديرياً , فإنه لا يجوز لها أن ترجع في قرارها المعيب إلا خلال المدة المحدد للطعن بالإلغاء . د- القرارات الإدارية التي لم تنشر أو لم تعلن : من المستقر فقهاً وقضاءً أن القرار الإداري يكون نافذاً في مواجهة الإدارة من تاريخ صدوره في حين لا يسري في مواجهة الأفراد إلا بعلمهم به بالطرق المقررة قانوناً. وبناءً على ذلك فإن لجهة الإدارة أن تسحب قراراتها الإدارية التي لم تنشر أو لم تعلن في أي وقت ومن باب أولى أن يتم ذلك في شأن القرارات الإدارية المعيبة التي لم تعلن أو تنشر. ( ) الباب الخامس العقود الإدارية التصرفات القانونية التي تجريها لإدارة وتقصد بها إلى أحداث الآراء القانونية , أما أن تتمثل بالتصرفات التي تقوم بها الإدارة من جانب واحد وبإرادتها المنفردة وتشمل القرارات والأوامر الإدارية التي أوضحناها سابقاً . وأما أن تتمثل بالأعمال القانونية الصادرة عن الإدارة بالاشتراك مع بعض الأفراد بحيث تتوافق الإدارتان وتتجهان نحو أحداث أثر قانوني معين و لجأ الإدارة إلى إتباع هذا الأسلوب لتحقيق هدفها في إشباع الحاجات العامة , وفق ما يمكن تسميته بعقود الإدارة . والعقود التي تبرمها الإدارة لا تخضع لنظام قانوني واحد , فهي على نوعين : الأول عقود الإدارة التي تخضع للقانون الخاص والتي تماثل العقود التي يبرمها الأفراد في نطاق القانون الخاص , والنوع الثاني هو العقود الإدارية التي تخضع لقانون العام والتي تبرمها الإدارة باعتبارها سلطة عامة تستهدف تنظيم مرفق عام أو تشغيله , وفي هذا الجزء من الدراسة نبين موضوع العقود الإدارية في خمسة فصول كما يلي : العقود التي تبرمها الإدارة لا تخضع لنظام قانوني واحد ، فهي على نوعين: الأول عقود الإدارة التي تخضع للقانون الخاص والتي تماثل العقود التي يبرمها الأفراد في نطاق القانون الخاص ، والنوع الثاني هي العقود الإدارية التي تخضع للقانون العام والتي تبرمها الإدارة باعتبارها سلطة عامة تستهدف تنظيم مرفق عام أو تشغيله . تمت تقسيم هذا الباب إلى خمسة فصول كما يلي :- الفصل الأول: ظهور فكرة العقود الإدارية. الفصل الثاني: معيار تمييز العقد الإداري . الفصل الثالث: إبرام العقود الإدارية . الفصل الرابع: الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد الإداري . الفصل الخامس: نهاية العقود الإدارية . الفصل الأول ظهور فكرة العقود الإدارية لم تظهر فكرة العقود الإدارية ألا في تاريخ متأخر لا يتجاوز مطلع القرن العشرين , وقد مر تحديد مفهوم نظرية العقود الإدارية وأسسها العامة بتطور استغرق حقبة طويلة من الزمن . وفي هذا الفصل نتناول بالدراسة نشأة نظرية العقود الإدارية , ثم نبحث في استقلال هذه النظرية والتعريف بالعقد الإداري . المبحث الأول نشأة العقود الإدارية حظيت مشكلة تحديد نشاط السلطة العامة باهتمام كبير من رجال القانون والإدارة، واختلف هذا الاهتمام تبعاً للأفكار السياسية التي يؤمن بها كل منهم . ولعل أبرز مذهبين كان لهما التأثير في هذا المجال هما المذهب الفردي الحر والمذهب التدخلي المعاصر ، حيث وضع كل منهما أسلوباً محدداً لدور الدولة ووظيفتها في مختلف المجالات وفقاً للفلسفة السياسية التي يؤمن بها . وكان لانتصار مفهوم الدولة التدخلية وتوسيع مجال نشاط السلطة العامة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وانتشار المرافق العامة المهنية والاقتصادية الفضل في خلق مبادئ قانونية جديدة هي مبادئ القانون الإداري تتميز عن قواعد القانون الخاص وتتماشى مع طبيعة نشاط الإدارة وهدفها ولا تغفل في الوقت نفسه حقوق الأفراد وحرياتهم ، وساهم في ذلك بشكل كبير مجلس الدولة الفرنسي الذي يعود له الفضل في تأسيس العديد من نظريات القانون الإداري ومنها نظرية العقود الإدارية . وقد طبقت مصر أحكام العقود الإدارية عقب إنشاء مجلس الدولة في عام 1964 واختص مجلس الدولة بنظر منازعات العقود الإدارية بصدور القانون رقم 9 لسنة 1949. المبحث الثاني استقلال نظرية العقود الإدارية نشأ الكثير من الجدل حول الطبيعة القانونية للعقود التي تبرمها الدولة مع الغير ، وقد دار هذا النقاش بين قدسية الالتزامات التعاقدية وبين امتيازات الدولة التشريعية والإدارية التي تمارس من خلال أجهزتها لتحقيق المصلحة العامة .( ) ولا شك أن العقد الإداري ناتج عن توافق ارادتين على إنشاء الالتزام شأنه شأن عقود القانون الخاص وفي هذا المعنى يتضح أن العناصر الأساسية في كلا العقدين واحدة، فيجب أن يتوافر الرضا ويجب أن يكون صحيحاً وصادراً من الجهة الإدارية المختصة ، وسليماً من العيوب. ألا فيما يتعلق بالأهلية ، فأحكامها في العقد الإداري ليست كما هي عليه في العقد المدني لاختلاف أهلية الإدارة عن أهلية الشخص الطبيعي في الحكم .( ) كما يتميز العقد الإداري في أن الإدارة تكون دائماً طرفاً فيه ، وأن تكوينه وأن كان يتم بتوافق إدراتين لا يكون بمجرد إفصاح فرد معين من أعضاء السلطة الإدارية عن أرادته و إنما يتكون من عدة أعمال قانونية ، يشترك فيها أكثر من عضو من أعضاء السلطة الإدارية ، لأن الاختصاصات الإدارية لا ترتكز في يد واحدة. ( ) كذلك يجب أن يتوافر السبب في العقود الإدارية مثلما هو الحال بالنسبة لعقود القانون الخاص مع ضرورة أن يكون الباعث الدافع في العقود الإدارية هو تحقيق المصلحة العامة . وكما هو الشأن في عقود القانون الخاص يجب أن يكون السبب موجوداً ومشروعاً وألا عد العقد باطلاً . من جهة أخرى يشترط في محل العقد الإداري أن يكون محدداً أو قابلاً للتحديد ومشروعاً . ( ) والمحل يتمثل في الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد على طرفيه كما هو الحال في عقود القانون الخاص مع ضرورة الذكر بأن محل العقد الإداري يتميز بمرونة خاصة توفرها الامتيازات الممنوحة لجهة الإدارة والتي تخولها تعديل التزامات المتعاقدين في بعض الأحيان تحقيقاً للمصلحة العامة . وبسبب التشابه الكبير بين الأركان في هذين العقدين ، لم يتفق الشراح على موقف واحد إزاء استقلال نظرية العقد الإداري عن النظرية التقليدية لعقود القانون الخاص ، وقد برز اتجاهان : الاتجاه الأول : ذهب الأستاذ Dugit إلى أنه لا يوجد فرق أساسي بين العقد المدني والعقد الإداري لأنهما متفقان في عناصرهما الجوهرية فالعقد الإداري يتمتع دائماً بالخصائص نفسها والآثار عينها . وعلى هذا الأساس لا يوجد عقد إداري متميز عن العقود التي تبرم بين الأفراد ولكن يوجد اختلاف في الاختصاص القضائي فقط إذ يرفع النزاع أمام القضاء الإداري لأن الإدارة تبرز في العقد بصفتها سلطة عامة وبقصد تسيير مرفق عام وإدارته . والفرق بين هذه العقود والعقود المدنية يشبه تماما الفرق بين العقد المدني والعقود التجارية التي تخضع للمحاكم التـجارية لاستهدفها أغراضـا تجارية . ( ) الاتجاه الثاني: يمثل هذا الاتجاه الذي يختلف عن السابق طائفـة من الفقـهاء منهم الأستاذ . Jeze ( ) و de laubadere .( ) اللذان ذهبا إلى أن النظام القضائي في القانون الإداري نظام خاص مستقل عن نظام القانون الخاص لاختلاف منابعهما ومصادرهما القانونية الأساسية ، كما أن العقود الإدارية تختلف هي أيضاً عن عقود القانون الخاص من حيث نظام منازعاتها والقواعد الأساسية التي تختلف بصورة عامة عن قواعد القانون المدني وتناقضها أحياناً ، وهذه الخصوصية تمليها متطلبات المصلحة العامة التي تهدف العقود الإدارية إلى تحقيقها . والحق أنه لا يمكننا التسليم بما ذهب إليه الاتجاه الأول وأن كان ينطوي على حقيقة مفادها وجود نقاط توافق كبيرة بين العقود الإدارية وعقود القانون الخاص ، ألا أن هذا التوافق لا ينفي وجود نظام قانوني متميز يخضع له العقد الإداري ، ينبذ الفكرة القائلة بوحدة العقد سواء إبرام بين الأفراد أم بينهم وبين الدولة. ففي الوقت الذي تكون فيه المصالح متكافئة والمتعاقدان متساويين في عقود القانون الخاص نجد أن المصلحة العامة في ظل عقود القانون العام تتميز بالأولوية إذ تقدم المصلحة العامة للإدارة على المصلحة الخاصة للأفراد .( ) والإدارة بهذه الحال وبوصفها قائمة على تحقيق المصلحة العامة تتمتع بحقوق و امتيازات لا يتمتع بها المتعاقد معها تخولها حق مراقبة تنفيذ العقد وتوجيه المتعاقد نحو الأسلوب الأصلح في التنفيذ ، وحق تعديل شروط العقد بإرادتها المنفردة ، دون أن يستطيع المتعاقد أن يتمسك بقاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين يضاف إلى ذلك بعض الحقوق و الامتيازات الأخرى التي لا مثيل لها في عقود القانون الخاص ، التي لا تهدر مصلحة المتعاقد وإنما تجعل مصلحته ثانوية بالنسبة للمصلحة العامة .( ) المبحث الثالث التعريف بالعقد الإداري اختلف القضاء و الفقه في وضع تعريف محدد للعقود الإدارية، وقد حاول القضاء الإداري في فرنسا ومصر والعراق حسم هذا الخلاف بتحديد المبادئ الرئيسية للعقود الإدارية. وفي ذلك عرفت المحكمة الإدارية العليا في مصر العقد الإداري بأنه" العقد الذي يبرمه شخص معنوي من أشخاص القانون العام بقصد إدارة مرفق عام أو بمناسبة تسييره، وأن تظهر نيته في الأخذ بأسلوب القانون العام، وذلك بتضمين العقد شرطاً أو شروطاً غير مألوفة في عقود القانون الخاص".( ) وقد أيد جانب كبير من الفقهاء في مصر هذا الاتجاه، منهم الدكتور سليمان محمد الطماوي، الذي ذهب إلى أن العقد الإداري" هو العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، وتظهر في نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام، وآية ذلك أن يتضمن شروطاً استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص أو يخول المتعاقد مع الإدارة الاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام" . ( ) ويبدو أن الرأي الغالب سواء في مصر أم العراق قد أستقر على أن العقد يكتسب صفته الإدارية إذا توافرت فيه ثلاثة عناصر هي : 1- أن يكون أحد طرفي العقد شخصاً معنوياً. 2- أن يتصل هذا العقد بمرفق عام . 3- أن تختار الإدارة وسائل القانون العام . الفصل الثاني المعيار المميز للعقد الإداري مر تمييز العقد الإداري عن عقود الإدارة الأخرى بمراحل زمنية متعاقبة بدأت بمحاولة المشرع تمييز عقود الإدارة بإرادته، وفق ما يسمى في نظرية العقد الإداري بمرحلة العقود الإدارية بتحديد القانون ثم أعقبت ذلك مرحلة أخرى وضع فيها القضاء الإداري عدة معايير للتمييز سميت بمرحلة التمييز القضائي للعقود الإدارية . وفي هذا الفصل نبحث هاتين المرحلتين من مراحل تمييز العقود الإدارية . المبحث الأول العقود الإدارية بتحديد القانون Contrats Administratif par Determination delaloi يلجأ المشرع في بعض الأحيان – وعندما يجد أن تطبيق نظام القانون العام أكثر ملائمة لحل المنازعات المعروضة من القانون الخاص – إلى إضفاء الصفة الإدارية على بعض العقود ويقرر اختصاص القاضي الإداري بالنظر فيما تثيره من منازعات ويطلق على هذه العقود، العقود الإدارية بتحديد القانون. ( ) وقد ظهر هذا التحديد أول مرة في نص المشرع الفرنسي في بداية عهد الثورة الفرنسية عندما وصف بعض العقود بأنها إدارية وخص مجلس الدولة فيما تثيره من منازعات سعياً منها لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات بمنع القضاء العادي من التصدي لأعمال الإدارة، فجعل اختصاص النظر في المنازعات في شأن بعض العقود لمجلس الدولة . وقد تمثلت النصوص التي عقدت الاختصاص فيما تثيره من منازعات لمجلس الأقاليم بموجب قانون (28) بلفوز " السنة الثامنة للثورة".( ) وكذلك المرسوم الصادر في 11-6-1806 المتعلق بعقود التوريد و القانون الصادر في 17-7-1790 و 26-9-1793 المتعلق بعقود القروض العامة وعقود بيع أملاك الدولة و المرسوم بقانون الصادر في 17-6-1930 عد كل عقد يتضمن شغلا لمال عام عقدا إدارياً في كل الحالات أياً كان شكله أو تسميته وسواء أبرمته الإدارة المركزية أم جهاز لا مركزي إقليمي أو مرفقي أو ملتزم لمرفق عام.( ) أما في مصر فقد حدد المشرع في المادة العاشرة من القانون (74) لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة، العقود الإدارية التي يختص مجلس الدولة بنظر المنازعات الناشئة عنها بالنص "تختص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بالفصل في المسائل الآتية : حادي عشر : المنازعات الخاصة بعقود الالتزام أو الأشغال العامة أو التوريد أو بأي عقد أخر." وقد تعرضت فكرة التحديد القانوني للعقود الإدارية لكثير من النقد لأسباب ترجع إلى طبيعة بعض العقود التي قد لا تتلائم مع التكييف الذي يضفيه عليها المشرع، وفي الحالات التي ينسجم فيها هذا التكييف مع طبيعة العقد ومضمونة فإن تحديد المشرع له يكون كاشفاً فقط. لذلك نعتقد أن ترك تحديد العقود الإدارية للقضاء لا شك أقدر على كشف الطبيعة القانونية لها، خاصة إذا كان هذا القضاء إدارياً متخصصاً. المبحث الثاني التمييز القضائي للعقود الإدارية إزاء الانتقادات الموجهة لتحديد المشرع للعقود الإدارية و سعي القضاء نحو توسيع اختصاصه ليشمل عقوداً أخرى لسد ما في التشريع من نقص – تكفل القضاء بالبحث في الطبيعة القانونية للعقد وفق معايير محددة من قبل، وفي حالة توفرها يكون العقد إدارياً ويعكسه يبقي العقد ضمن دائرة القانون الخاص. وقد ظهرت هذه المعايير نتيجة لتطور قضائي طويل انتقلت فيه غلبة كل معيار على الأخر تباعاً . وسنتكلم فيما يأتي عن المعايير التي اعتمدها القضاء و الفقه الإداريان في تمييز العقود الإدارية. أولاً :- أن تكون الإدارة طرف في العقد من المسلم به أن العقد الذي لا تكون الإدارة طرفاً فيه لا يعد عقداً إدارياً، وهذا الشرط تستلزمه المبادئ العامة للقانون الإداري الذي وجد ليحكم نشاط السلطات الإدارية أما العقود التي تبرم بين الأفراد أو أشخاص القانون الخاص الأخرى فأنها تعد من عقود القانون الخاص ولو أبرمت لتحقيق المصلحة العامة . وأشخاص القانون العام تتمثل بالدولة و الوزارات و المؤسسات الإدارية التابعة لها فضلاً عن الأشخاص العامة المحلية من محافظات ومدن وأحياء يضفي القانون عليها الشخصية المعنوية . وفي هذا السبيل فقد استقر الرأي على استبعاد عقود القانون الخاص ولو حققت مصلحة عامة إلا في أحوال معينة بالقياس إلى العقود التي تبرم باسم الإدارة ولحسابها، وقد ذهب القضاء الإداري في فرنسا ومصر إلى أن العقود التي تبرمها الإدارة مع أشخاص القانون الخاص تعد إدارية إذا ما ظهر أن أحد المتعاقدين قد تعاقد باسم الإدارة ولحسابها متى توفرت الشروط الأخرى من اتصال العقد بالمرفق العام وتضمينه شروطاً استثنائية . وقد طبقت محكمة التنازع هذا الاتجاه في حكم له بشأن عقد أبرمته إحدى شركات الاقتصاد المختلط مع منشأة خاصة وتتلخص وقائع هذه القضية في أن شركة الاقتصاد المختلط التي كانت ملتزمة بتسوية وتمهيد لقريتي " ماسي و انتوني " بالتعاقد مع منشأة خاصة لمعاونتها في القيام بهذه الأشغال واعتبرت المحكمة في قرارها العقد إدارياً على أساس أن شركة الاقتصاد المختلط لم تتصرف إلا باسم قريتي " ماسي و انتوني " ولحسابها.( ) وقد سلكت محكمة القضاء الإداري في مصر النهج نفسه في حكمها الصادر في 24-4-1956 الذي جاء فيه" متى كان الثابت أن وزارة التموين بصفتها المشرفة على مرفق التموين بالبلاد تدخلت في أمر سلعة الشاي و اتخذت من الإجراءات وأصدرت من التشريعات ما رأته كفيلاً بتحقيق ما تهدف إليه من توفير سلعة من السلع مع ضمان وصولها إلى المستهلكين بالسعر المحدد وقد استعملت في سبيل ذلك سلطتها في الاستيلاء على هذه السلعة، ووضعت القواعد التي تحكم تنظيم تداولها وتوزيعها وعهدت بذلك " لجنة توزيع الشاي " ثم المعبئين الذين أصبحوا مسؤلين عن توصيل هذه السلعة بعد تعبئتها إلى التجار في مختلف أنحاء البلاد، متى كان ثابت مما تقدم فإن ذلك في حقيقته يتضمن أمراً بتكليف هذه اللجنة بخدمة عامـة ومن ثم تكون الاتفقـات و العقود التي تعقدهـا اللجنة هـي العقود إدارية". ( ) ولا يمكن اعتبار هذا القرار خروجاً على شرط أن تكون الإدارة أحد طرفي العقد، فإذا تعاقد طرف من العقد باسم الإدارة ولحسابها فإنه يعد نائباً عن الإدارة و تنصرف آثار العقد إلى الجهة الإدارية، ولو أن محكمة القضاء الإداري لم تبين بصورة واضحة هذه الفكرة . ومن ثم فأن المعيار العضوي لا يكفي لوحده لتمييز العقد الإداري ففي الكثير من الأحيان تكون الإدارة طرف في هذا العقد إلا أنه يعد من عقود القانون الخاص بيد أن شرط وجودها طرفاً في العقد يبقى شرطا ًأساساً لإضفاء الصفة الإدارية عليه إذا ما عزز بالشروط الأخرى التي يستلزمها القضاء كمعيار لتمييز العقد الإداري . ومع ذلك فقد استقر القضاء الإداري الفرنسي على وصف العقود بين شخصين من أشخاص القانون العام عقودا إدارية ما لم يثبت العكس . ومن ذلك قرار محكمة التنازع عام 1938 في حكم U.A.P وحكم مجلس الدولة في 8-1-1988 الذي اعتبر فيها الاتفاقات بين حاكم أحد المقاطعات بشأن تحديد توزيع المرافق العامة بين الدول و المحليات من قبيل العقود الإدارية. ( ) ثانياً : اتصال العقد بنشاط مرفق عام . Le Rattachement Aune activite Deservice Public. لا يكفي لاعتبار العقد إدارياً أن تكون الإدارة أحد الأطراف إنما يجب البحث فيما إذا كان العقد متعلقاً بمرفق عام على وجه من الوجوه. وبعد أن كان القضاء في فرنسا ومصر يتبنى المعنى العضوي للمرفق تطورت أحكامه للجمع بين المعنيين – ثم استقر فيما بعد على المعنى الموضوعي – فعرف المرفق العام بأنه النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى، مباشرة أو التعهد به إلى آخرين كالأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة، ولكن تحت أشرافها ومراقبتها وتوجيهاتها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام . تطور فكرة المرفق العام : ظهرت فكرة المرفق العام وتبلورت ابتدءاً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر فأصبحت الفكرة الأساسية، التي اعتمدتها أحكام مجلس الدولة الفرنسية ومحكمة التنازع في تقرير معيار الاختصاص القضاء الإداري ومن حكم Rotschild الصادر في 6-9-1855 و Dekeister عام 1861 و Blanco بتاريخ 8-2-1873. وعزز هذا الاتجاه وضع العميد Duguit لأسس نظريته عن المرافق العامة التي كان لها شأن كبير في نظريات القانون الإداري التي باتت تقوم على اعتبار المرفق العام و مقتضيات سيره، المبرر الوحيد لوجود نظام قانوني خارج عن المألوف في قواعد القانون الخاص. ( ) و الدولة في هذا الاتجاه تسعى نحو تحقيق هدف معين هو حسن أداء المرافق العامة، وتستعمل في هذا السبيل وسائل القانون العام، لأن المرفق العام أصبح يمثل الفكرة الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري الذي أصبح يسمى " قانون المرافق العام" ويتحدد نطاق تطبيقه على أساسها. وعلى هذا الأساس فأن العقود الإدارية لا تكتسب صفتها هذه إلا إذا اتصلت بنشاط مرفق من المرافق العامة، فأصبحت هذه النظرية معياراً مميزاً للعقد الإداري عن عقود القانون الخاص. ونتيجة لتطور الحياة الإدارية، و التغيرات الكبيرة التي طرأت في القواعد التي نهضت عليها فكرة المرافق العامة، بتأثير من سياسة الاقتصاد الموجه و المبادئ الاشتراكية وزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي و الاجتماعي وما رافق ذلك من ظهور المرافق الاقتصادية و الاجتماعية و الصناعية و المرافق ا لمهنية المختلفة، لم تعد نظرية المرافق العامة تحظى بأهميتها السابقة مما عرضها للنقد الشديد. حتى ذهب البعض إلى القول أن مفهوم المرفق وأهميته بالنسبة للقانون الإداري قد أصبحت ثانوية، في حين أعتبر آخرون ما حصل تطوراً في مفهوم المرفق العام. ( ) ومع ما أصاب هذه النظرية من نقد بقيت أحكام مجلس الدولة الفرنسي و المصري تؤكد ضرورة اتصال العقد بنشاط مرفق عام لإضفاء الصفة الإدارية عليه. غير أن من الفقهاء من ذهب إلى أن فكرة المرفق العام كمعيار لتمييز العقد الإداري لم تعد كافية أو صالحة للتطبيق. ( ) مما جعل من الضروري أن يحدد هذا المعيار بإضافة عنصر جديد يتمثل باستعمال أساليب القانون العام، بعد أن تبين ما في فكرة المرفق العام من سعة وعدم اقتصار على المرافق الإدارية وشموله للمرافق الاقتصادية و التجارية وتجلى ذلك بظهور المعيار المزدوج الذي يجمع بين فكرتي المرفق العام واستخدم وسائل القانون العام. ففي عام 1903 أصدر مجلس الدولة الفرنسي حكمه في قضية "Terrir " الذي كان يمثل مع تقريره مفوض الدولة "Romieu " نقطة تحول في قرارات مجلس الدولة ، فقد تعرض مفوض الدولة في تقريره إلى النظرية الإدارية الخاصة بوصفها معياراً لتوزيع الاختصاص بين القضائين المدني و الإداري وورد في تقريره" وتتم هذه التفرقة بين ما اقترح تسميته بالإدارة العامة Gest - Publ و الإدارة الخاصة Gest -Privee أما على أساس طبيعة المرفق محل النظر وأما على أساس التصرف الذي يتعين تقديره فقد يكون المرفق مع أهميته لشخص لعام لا يتعلق إلا بالإدارة دومينه خاص، وفي هذه الحالة يعتبر الشخص العام يتصرف كشخص خاص، كمالك في أوضاع القواعد العامة. ومن جهة أخرى قد يحدث أن الإدارة وأن تصرفت لا كشخص خاص ولكن كشخص عام لمصلحة مرفق عام بالمعنى الحقيقي لا تتمسك بالإفادة من مركزها كشخص عام وتضع نفسها باختيارها في نفس أوضاع الفرد سواء بإبرام أحد عقود القواعد العامة ذي طابع حدده التقنيين المدني بوضوح " استئجار عقار مثلا لتقر فيه مكاتب إدارة ما" لا يفترض بذاته تطبيق أية قاعدة خاصة بتسيير المرافق العامة". ( ) ومن هذا التاريخ اتجهت آراء الفقه في الأغلب إلى رأي مفاده أن الإدارة إذا ما اتبعت أساليب القانون العام فإن عقودها تنطبع بالطابع الإداري أما إذا كانت أساليبها متشابهه لأساليب الأفراد في القانون الخاص فتكون عقودها مدنية أو تجارية. وأخذت قرارات مجلس الدولة الفرنسية تتوالى مؤكدة الاتجاه ذاته ومن ذلك حكم المجلس في 31-7-1912 في قضية شركة الجرانيت ورد" ومن حيث أن العقد المبرم بين المدينة و الشركة خلا من أي أشغال تنفذها الشركة وكان محله الوحيد التوريد عند التسليم حسب قواعد وشروط العقود المبرمة بين الأفراد، وإنه بهذا يثير الطلب منازعة لا يختص القضاء الإداري بنظرها". ( ) وعلى هذا الأساس برزت فكرة العيار المزدوج في فرنسا التي تعد عقدا إدارياً إذا كانت الإدارة طرفاً فيه واتصل العقد بمرفق عام واتجهت نية الإدارة إلا الأخذ بأسلوب القانون العام. ومنذ ذلك الوقت برز مفهوم الشروط الاستثنائية غير المألوفة التي تخرج عن المألوف في قواعد القانون المدني معياراً رئيسياً ينهض إلى جانب معيار المرفق العام للتعبير عن نية الإدارة في أتباع أسلوب القانون العام. فلا يكفي وفق هذه النظرية اتصال العقد بمرفق عام لإضفاء الصفة الإدارية على العقد مثلما لا يكفي تضمن العقد لشروط استثنائية لاعتباره عقداً إدارياً. ( ) وفي ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر أن علاقة العقد بالمرفق العام إذا كانت ضرورية لكي يصبح العقد إدارياً ليس كافية لمنحة تلك الصفة، اعتبار بأن قواعد القانون العام ليست علاقة حتمية بالمرفق إذ أنه مع اتصال العقد بالمرفق العام فإن الإدارة قد لا تلجأ في أبرامة إلى أسلوب القانون العام لما تراه من مصلحتها في العدول عن ذلك إلى أسلوب القانون الخاص. ( ) وبالرغم من التأييد الكبير الذي حظيت به فكرة المعيار المزدوج حاول أنصار نظرية المرفق العام إحياء نظريتهم و الاكتفاء بها معياراً وحيداً لتمييز العقد الإداري واستبعاد وسائل القانون العام ممثلة في الشروط الاستثنائية عن طريق أساليب عدة لعل من أهمها نظرية اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق العام. نظرية اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق العام: بتاريخ 20-4-1956 إصدار مجلس الدولة الفرنسي قرار مهما عد إحياء لنظرية المرفق العام، ينحصر مضمونة على أن العقد الذي يعهد إلى المتعاقد بتنفيذ المرفق العام ذاته يعد إدارياً دون البحث في صفة العقد الإداري أو تضمينه شروطاً غير مألوفة . وتتلخص وقائع هذا الحكم الذي سمي بحكم الزوجين بيرتان"Epoux Bertin إنه عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وضع الرعاية الروس الموجودين في فرنسا في مراكز الإيواء تمهيداً إلى ترحيلهم إلى بلادهم وفي تاريخ 24-11-1944 أبرم عقد شفوي بين رئيس أحد هذه المراكز والزوجان " بيرتان " يلتزم هذان الزوجان بمقتضاه بتغذية اللاجئين مقابل مبلغ محدد من المال عن كل فرد في اليوم . أدعى الزوجان عام 1945 أن المقابل المستحق لها قد زاد مقداره نتيجة لزيادة كميات الأغذية التي قدمت للاجئين بأمر المركز وطلبا صرف المقابل لهذه الزيادة ، إلا أن الوزارة المشرفة على المعسكرات رفضت الدفع . فأقام الزوجان الدعوى أمام مجلس الدولة . دفعت الوزارة بعدم اختصاص مجلس الدولة بنظر النزاع مستنده أن العقد لم يتضمن شروطاً استثنائية ولذلك فهو لا يعد عقداً إدارياً . إلا أن مجلس الدولة رفض هذا الدفع وحكم " إن محل هذا العقد أن يعهد في هذا الصدد إلى أصحاب الشأن بتنفيذ المرفق العام ذاته lexecution memme du service public المكلف آنذاك بكفالة إعادة اللاجئين من جنسيات أجنبية الموجودين في إقليم فرنسا إلى أوطانهم وإن هذا الظرف يكفي بذاته في دمغ العقد محل البحث بصفة العقد الإداري ؛ وأنه يترتب على ذلك دون حاجة لبحث ما إذا كان العقد المذكور يتضمن شروطاً غير مألوفة في القواعد العامة." ( ) وبعد هذا الحكم بعشرين يوماً أصدر مجلس الدولة قراراً آخر يؤكد هذا المبدأ في قضية Gondrand . ودرجت محكمة التنازع على ذلك ففي قضية Houend في 12-6-1978 وفي قرارين اعتبرت المحكمة عمل موظفه في مدرسة للفتيات تقوم بمراقبة نوم الفتيات " النهوض والنوم " اشتراكاً بصورة مباشرة في تنفيذ خدمة عامة تخص التعليم وكذلك اعتبرت عمل زوجها وهو عامل مكلف بصيانة بعض الأجهزة وتعليم الطلاب استعمالها . وفي المجال نفسه اطردت أحكام القضاء الإداري الفرنسي على اعتبار الفنانين الذين يعملون في المسرح البلدي كالمغنيين أو الراقصات أو العازفين ، مشتركين في تنفيذ المرفق العام وهو ما قضت به محكمة التنازع في 17-1-1979 في قضية : Dme le Cachey et autres . ( ( وقد وجد هذا الاتجاه تطبيقا له في قضاء ً محكمة القضاء الإداري المصري فورد في قرار لها في 27-1-1963 " قاعدة ضرورة اطراد سير المرافق العامة تتطلب أن تطبق على الأشخاص الذين يساهمون في تسيير قواعد معينة لا يجب تعليق تطبيقها على وجود أو تخلف شروط غير مألوفة في العقد المبرم بين الشخص المعنوي العام وبين الأفراد المعاونين له ، خاصة إذا توافرت للمرفق أهمية خاصة أو بلغت معاونة الفرد المتعاقد مع الإدارة درجة كبيرة فإن معيار العقد الإداري يكون حينئذ معياراً منفرداً قائما بذاته لا ضرورة ً لبحث شروطه من ناحية ما إذا كانت تتضمن استثناءات غير مألوفة في القانون الخاص " . ( ) وفي الاتجاه نفسه تقريباً برزت أحكام تعد اشتراك المتعاقد في تيسير المرفق بصورة دائمة particiption du Concontrant a lexecution du service public. كافياً لإضفاء الصفة الإدارية على العقد دون الحاجة للبحث عما يحتويه من شروط استثنائية غير مألوفة . وقد أيد جانب في الفقه هذا الاتجاه فذهب pequignot إلى القول إن اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق بصفة دائمة يجعل العقد إدارياً في جميع الأحوال دون اللجوء إلى البحث فيما إذا كان العقد يحتوي على شروط غير مألوفة أم لا ، وقد طبق "بكينو" هذه الفكرة في عقود إجارة الأشخاص والخدمات وعقود الامتياز . ( ) وعلى هذا فأن العقد الذي يعهد إلى المتعاقد بصورة مباشرة بتنفيذ المرفق نفسه أو يتضمن اشتراك المتعاقد في تسيير المرفق بصفة دائمة يعد إدارياً دون الحاجة إلى أي شروط أخرى . وقد عد أنصار فكرة المرفق ذاته إن أحكام مجلس الدولة المؤيدة لاتجاههم قد أدت إلى استبعاد الرأي القائل بصلاحية الشروط غير المألوفة لتكون معياراً وحيداً لتمييز العقد الإداري ، وإن هذه الفكرة أعادت الأهمية لنظرية المرفق العام . فذهب Lamarque إلى إن المعيار المأخوذ من موضوع العقد ـ ويقصد معيار تنفيذ المرفق ذاته ـ يبدو أكثر إيجابية . وإن اعتبار العقد إدارياً إذا احتوى على شروط غير مألوفة لا يضفي إلى العقد إلا عنصراً إضافياً ".( ) في حين ذهب prosper إلى القول أن معيار العقد الإداري أصبح بصدور حكم "بيرتان" في أزمة بددت الاستقرار والـتوازن الذي استمر لفترة طويلة في ظل المعيار المزدوج.( ) كما أيد هذا القضاء جانب من الفقهاء في مصر ومنهم الدكتور عبد الفتاح حسن الذي قال : " لذلك لا غرو أن يكون حكم مجلس الدولة الذي صدر في 20-4-1956 م- يقصد حكم بيرتان – من أحكام المبادئ أعاد الحياة لقضاء قديم ، وإعادة شاباً يعمل في مجالات أكثر أتساعاً.." ( ) إلا أن ذلك لا يعني إجماع من القضاء والفقه حول اعتماد هذا المبدأ معياراً كافياً لتميز العقد الإداري فما زالت نظرية الشروط الاستثنائية تتمتع بأهمية كبيرة في هذا المجال وتحظى بتأييد جانب كبير من الفقهاء . ثالثاً : إتباع أسلوب القانون العام : Lemploi du procede de Droit public بعد تراجع نظرية المرفق العام أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتمييز العقد الإداري دعا طائفة من الفقهاء إلى ضرورة إبراز دور السلطة العامة في تمييز العقد الإداري ، من خلال البحث فيما يتضمنه العقد من شروط استثنائية خارجة عن القانون الخاص . تكشف عن نية المتعاقدين في إتباع أسلوب القانون العام ، وإخضاع العقد لقواعده وأحكامه .( ) وقد برز هذا الاتجاه أولاً في حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية Terrier عام 1903 ثم ما لبث أن توالت أحكام مجلس الدولة في الاتجاه نفسه فصدر في عام 1912 م حكم المجلس في قضية " شركة الجرانيت " إذ وضع مفوض الدولة Leon blum مبدأ عاماً يتعلق بمعيار التمييز بين العقود الإدارية وعقود القانون الخاص ، فبين في تقريره : " إذا تعلق الأمر بعقد يجب البحث ليس عن الغاية من إبرامه ، ولكن ما هو العقد بذات طبيعته ، ولا يكفي لكي يختص القاضي الإداري وجوب استعمال التوريد وهو محل العقد عقب تمامه لمرفق عام ؛ فيجب أن يكون هذا العقد بذاته وبطبيعته الخاصة أما من العقود التي لا يستطيع أن يعقدها ألا شخص عام أو أن يكون بشكله وتكوينه عقداً إدارياً .. فما يجب بحثه هو طبيعة العقد ذاته استقلالا عن الشخص الذي عقده والغاية التي أبرم من أجلـها " . ( ) وعلى ذلك لم يعد اتصال العقد بالمرفق العام كافياً لكي يكتسب الصفة الإدارية ، أنما يلزم أن تكشف الإدارة عن نيتها في اختيار أسلوب القانون العام ، والوسيلة في ذلك هي تضمن العقد شروطاً استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص . ولأهمية هذه الشروط ،أصبحت علامة مميزة يمكن الاسترشاد بها في تقرير الطبيعة الإدارية للعقود التي تبرمها الإدارة بصفتها سلطة عامة تتمتع بامتيازات لا يتمتع بها الفرد العادي ، وتخضع العقد لنظام قانوني هو نظام القانون العام . ولا شك أن فكرة الشروط الاستثنائية تتطلب الكثير من البحث لما ثار حولها من جدل في فقه القانون الإداري وأحكام القضاء التي لم توضح بصورة قاطعة مضمون هذه الشروط . يكتب الأستاذ pequignot عن فكرة الشروط الاستثنائية فيقول :" أنها تبدو صعبة التحديد في أحكام القضاء الإداري .. وأنه من الصعب أن نجد في أحكام القضاء الإداري تحديداً للشروط التي يعدها هذا القضاء غير عادية" . ( ) في حين عد Vedel معيار الشروط الاستثنائية المعيار الحقيقي للعقد الإداري وهو الوحيد الذي يكشف عن إرادة المتعاقدين في إتباع أسلوب القانون العام . إذا كتب في هذا الصدد " الشرط الاستثنائي هو المعيار الوحيد الكافي لإضفاء الصفة الإدارية على العقد فمضمون العقد هو الذي يبين الشروط الخارجة عن القانون الخاص ، ونية الإدارة في تمسكها بمباشرة حقوق السلطة العامة ، ومعرفة التصرف الذي تتخذه الإدارة في ظل نظام السلطة العامة لا يتحقق إلا من طريق واحد هو الاختيار الذي قررته الإدارة بموافقة المتعاقد وذلك ما يكشف عن وجود الشروط الاستثنائية أو غيابها".( ) تقدير نظرية الشروط الاستثنائية : لم تسلم نظرية الشروط الاستثنائية معياراً وحيداً للعقد الإداري ، من النقد وفي هذا المجال ذهب بعض الفقهاء إلى القول أن معيار الشرط غير المألوف أثار صعوبات كبيرة ساعد عليها القضاء الإداري في عجزه عن تعريف الشرط غير المألوف واتساع مفهومه ليشمل أنواع عديدة من الشروط من قبيل الشروط المانحة للإدارة امتيازات في مواجهة المتعاقد معها كحق الإدارة بالرقابة والتوجيه ، فهي وان كانت من الشروط الغير المألوفة فأنها لا تعد مجهولة في عقود الأفراد العاديين وهي ليست حكراً على عقود القانون العام . إذ من الممكن أن تتضمنها عقود الإذعان والعقود المبرمة بين الشركات متفاوتة القدرة والاتساع مما يتيح لأحد الأطراف أن يملي شروط أحادية الجانب من حيث الأسعار وظروف الدفع . ومن هؤلاء الأساتذة Lamarque الذي يضيف بالقول " أن الدور الذي نسب إلى الشرط غير المألوف دوراً مصطنعاً مجرد من كل قيمة منطقية جوهرية .( ) بيد أن هذه الانتقادات لم تقض نهائياً على معيار الشروط غير المألوفة أنما جعل لها دوراً ثانوياً فهو يتمتع بأهمية ، خاصة عندما لا يكون العقد إدارياً في مضمونه باتصاله بالمرفق العام ، إذ يتم البحث عن الشروط غير المألوفة في حالة عدم القدرة على حسم ما إذا كان العقد يتضمن مشاركة في تنفيذ المرفق ذاته وهو ما عرف بالمعيار المتناوب . وبالاتجاه نفسه يذهب Chapus إلى أنه يجب أن لا يعتقد إن معيار البند أو الشروط المخالفة دائماً معيار مساعد ، فالمعيار المأخوذ من الموضوع هو دائما معيارً مبدأ ، ففي كثير من الحالات يفضل القاضي استخدام معيار الشرط غير المألوف ، فهذا يمكن أن يكون أكثر تناسباً من غيره ويجب أن لا ننسى أن معيار الشرط غير المألوف يستطيع هو بمفرده إعطاء صفة إدارية لكل عقد .( ) إلا أن المعيار المتناوب هو الآخر لم يسلم من النقد إذا قاد تطبيقه في القضاء الإداري الفرنسي إلى نتائج غير مقبولة في بعض الأحيان ، من ذلك قرار محكمة التنازع في 25-11-1963 في قضية Vve Mazerand "مدام مازران" وهي مستخدمة في مدرسة عام 1942 وحتى عام 1946 من أجل تنظيف الأبنية ومسؤولة عن الإنارة وصيانة آلات التدفئة ثم قامت بعد ذلك بتنظيم حضانة للأطفال في المدرسة ومنذ عام 1946 إلى 1952 كان عليها أن تخدم في هذه الحضانة فحكمت محكمة التنازع أن العقد الذي يربطها بالبلدة هو من اختصاص القانون الخاص بين 1942 و 1946 ولكنه إداري من 1946 إلى 1952 . مما توجب على السيدة "مازران" أن تقيم دعويين واحدة أمام المحاكم العادية والأخرى أمام القضاء الإداري . وهذا قضاء غريب تكرر في أحكام أخرى منها قرار محكمة التنازع في 26-11-1990 في قضية Mlle Salliege استخدمت فيها السيدة من قبل المستشفى ابتداء لمساعدة المرضـى أثناء تنقلهـم ( مشاركة مباشرة في الخدمة الطبية ) وكذلك في أعمال غسل الملابس ( غياب المشاركة المباشرة ) وقد تم تكليفها بهذه الأعمال الأخيرة بعد ذلك فأصبحت شخص من أشخاص القانون الخاص ، وبما أنه قد تم تسريحها من الخدمة وهي تملك الصفة الأخيرة فإن النزاع يعد من اختصاص المحاكم العادية .( ) إزاء ذلك لا نعتقد بصلاحية المعيار المتناوب ليكون معياراً كافياً لتمييز العقد الإداري ولا نرى مانعاً من أن يشتمل معيار التمييز المبادئ الثلاثة التي توصل إليها القضاء الإداري في سني تطوره التي استغرقت عقوداً من الزمن ، وهذا المعيار التخييري يوكل به قاضي الموضوع إذ يتفحص العقد ويطبق كل مبدأ من هذه المبادئ فإذا ما تحقق من توافر أحدها فيه كان العقد إدارياً دون الحاجة للبحث في توافرها معاً ، وإن هذه المبادئ متساوية في أهميتها فليس هناك مبدأ رئيسي وآخر مساعد وهذه المبادئ هي : المبدأ الأول : الاشتراك المباشر في تنفيذ المرفق العام ذاته. ويقوم هذا المبدأ على أساس اعتبار العقد الذي يتضمن تنفيذ المتعاقد للمرفق العام ذاته عقداً إدارياً دون الحاجة لوجود الشروط غير المألوفة. وقد ظهر هذا المعيار بحكم بيرتان 1956 وحقق نجاحاً كبيراً من خلال شموله أغلب الموظفين في الإدارات العامة واعتبار عقود توظيفهم إدارية . وفي هذا السبيل عد مجلس الدولة الفرنسي العديد من العقود إدارية لأن موضوعها هو تنفيذ مرفق عام ففي قرار مجلس الدولة في قضية Soc-Codiam في 8-6-1994 عد العقد إدارياً عندما أبرمته مستشفى مع شركة أجهزة التلفاز لتأجير أجهزة إلى المرضى. باعتبار أن خدمة الاستشفاء تعني بالإضافة للعناية الطبية تحسين ظروف الإقامة للمرضى كذلك عدت محكمة التنازع في قرار حديث لها في 16-1-1995 في قضية Cie nat,du Rhoc ,EDF العقد إدارياً لأنه يسمح بأن تستخدم شركة الكهرباء الفرنسية الطاقة المنتجة من الشركة الوطنية لمنطقة (الرون) باعتبار أن هذا العقد يتضمن تنسيقاً لوظائف الشركتين المتعلقة بالمرفق العام. ( ) وهذا المبدأ في الحقيقة يتسم بسهولة التطبيق إذ تكفي الإشارة إلى طبيعة المهمة التي كان يمارسها المتعاقد مع الإدارة لمعرفة العقد فيما إذا كان إدارياً من عدمه، بالإضافة إلى أنه عد أغلب عقود التوظيف في الإدارات العامة عقوداً إدارية ومن ذلك عقود الأطباء والمهندسين والأساتذة والعاملين في المسارح العامة . غير أنه مع حسنة شموله جميع الموظفين بمظلة القانون العام فإن القول به سيؤدي في النهاية إلى عدم الحاجة إلى البحث في مدى ارتباط مبدأ المشاركة في تنفيذ المرفق في العقد الإداري لأن جل عقود الوظيفة العامة ستعد إدارية من حيث الموضوع حتماً . المبدأ الثاني : الشروط غير المألوفة :- إن عدم تنفيذ المتعاقد للمرفق ذاته لا يجعل من العقد من عقود القانون الخاص حتماً ، إذ يتوجب على القاضي أن يبحث فيما إذا كان العقد محتوياً على شروط غير مألوفة من عدمه . ففي هذه الحالة يستعيد مبدأ الشروط الغير مألوفة، أهميته يذهب الأستاذ Chapus إلى القول أن كل عقد يتم الإفصاح عنه يعود للقانون الخاص ولا يعترف به كعقد إلا تبعاً للتأكد بأنه ليس إدارياً لا في موضوعه ولا من ناحية شروطه .( ) المبدأ الثالث : العقود الإدارية تبعاً لأنظمتها : منذ صدور حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية Riviere du Sant عام 1973 برز الاتجاه الذي يعد العقد إدارياً ليس من خلال ما يحويه من شروط غير مألوفة ولا من خلال تنفيذ المتعاقد للمرفق العام ذاته وإنما لقيام العقد على نظام قانوني غير مألوف، وقد أثار هذا المبدأ عند ظهوره بعض الارتباك بخروجه عن الاستقرار النسبي في ظل المعيار المتناوب . ونعتقد إن هذا المبدأ يمثل قاعدة ثالثة يمكن الاعتماد عليها في وضع حل لمعضلة التمييز بين العقد الإداري وعقود القانون الخاص ويؤكد ذلك اعتماده من القضاء الإداري الفرنسي في الكثير من الأحكام . ومع ذلك وباستثناء بعض قرارات محكمة التنازع التي لم تعد العقود خاضعة لنظام قانوني استثنائي مثال ذلك قرارها في 11-10-1993 في قضية Soc-Central siderurgiqe de richemont فأنه لا يمكننا أن ننفي كون أن مبدأ النظام القانوني غير المألوف قد أصبح ركناً أو مبدأ مهماً في تمييز العقد الإداري في الوقت الحاضر . المبحث الثالث التعريف بأهم أنواع العقود الإدارية تبرم الإدارة أنواعاً مختلفة من العقود الإدارية، منها عقود نظمها المشرع بأحكام خاصة ونص عليها في القانون المدني ومنها ما ورد عليه النص في لائحة العقود الإدارية، ومنها ما ترك تحديده للقضاء الإداري . وفي هذا المبحث سنتناول أهم ثلاثة عقود إدارية أشارت إليها اغلب التشريعات العربيه , 1- عقد الالتزام أو الامتياز . 2- عقد الأشغال العامة . 3- عقد التوريد . أولاً : عقد الالتزام أو الامتياز : يعد عقد الالتزام من أهم العقود الإدارية، لأنه يمنح فرد أو شركة الحق بإدارة واستغلال مرفق من المرافق العامة . عرفته محكمة القضاء الإداري المصرية بقولها ".. إن التزام المرافق العامة ليس إلا عقداً إدارياً يتعهد أحد الأفراد أو الشركات بمقتضاه بالقيام على نفقته وتحت مسئوليته المالية بتكليف من الدولة أو إحدى وحداتها الإدارية، وطبقاً للشروط التي توضع لها، بأداء خدمة عامة للجمهور، وذلك مقابل التصريح له باستغلال المشروع لمدة محددة من الزمن واستيلائه على الأرباح ". ( ) وقد ثار بشأن طبيعة عقد الالتزام خلاف فقهي كبير، إذ ذهب فريق من الفقهاء " الألمان" إلى القول أنه عمل من جانب واحد هو الإدارة. وعلى ذلك فأن آثاره لا تنشأ عن عقد وإنما عن أمر انفرادي تصدر السلطة بإرادتها المنفردة، وتملك تعديله أو إلغائه. ولم يصادف هذا الرأي القبول لأنه ينفي دور الملتزم في تحديد شروط الالتزام ودور إرادته في إبرامه . ( ) وانقسم الفقه الفرنسي إلى اتجاهين ذهب الأول نحو اعتبار عقد الالتزام من عقود القانون الخاص ، متجاهلاً خصائصه المميزة من حيث منحه الملتزم سلطات من طبيعة خاصة من قبيل سلطته في فرض أعباء مالية على المنتفعين بالمرفق وسلطته في شغل الدومين العام وما إلى ذلك من امتيازات أخرى ويوفرها له نظام القانون العام . أم الاتجاه الثاني ويتزعمه الفقيه Duguit فيعتبر الالتزام عملاً قانويناً مركباً يشتمل على نوعين من النصوص الأول منها يتعلق بتنظيم المرفق العام وبسيره، وتملك الإدارة تعديل هذه النصوص وفقاً لحاجة المرفق . أما النوع الثاني من النصوص فيسمى بالنصوص أو الشروط التعاقدية التي تحكمها قاعدة " العقد شريعة المتعاقدين " ومنها ما يتعلق بتحديد مدة الالتزام والالتزامات المالية بين المتعاقدين ولا تتعدى ذلك لتشمل أسلوب الخدمات للمنتفعين . وقد لاقى هذا الرأي ترحيباً في القضاء الإداري في فرنسا ومصر اذ أن المسلم به فقها وقضاء إن شروط عقد التزام المرفق العام تنقسم إلى نوعين : شروط لائحية وشروط تعاقدية . الشروط اللائحية فقط هي التي يملك مانح الالتزام تعديلها بإرادته المنفردة في أي وقت وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة، دون أن يتوقف ذلك على قبول الملتزم. والمسلم به إن التعريفة أو خطوط السير وما يتعلق بهما، من الشروط اللائحية القابلة للتعديل بإرادة مانح الالتزام المنفردة. وقد سعى المشرع العراقي نحو تنظيم أحكام عقد الالتزام ليكفل حسن سير المرفق محل الالتزام ومن ذلك ما نص عليه ا القانون المدني العراقي بخصوص المساواة بين المنتفعين في المرفق . وتمارس الإدارة في مواجهة الملتزم سلطة الرقابة والإشراف على ممارسة عمله وفقاً لشروط العقد والقواعد الأساسية لسير المرافق العامة . على أن لا تصل سلطة الإدارة في إصدار قراراتها بمناسبة سلطة الرقابة حدا يغير من طبيعة الالتزام وتعديل جوهره أو أن تحل محل الملتزم في إدارة المرفق وإلا خرج عقد الالتزام عن مضمونه، وتغير استغلال المرفق إلى الإدارة المباشرة . ثانياً : عقد الأشغال العامة : عرفت احكام القضاء الاداري المختلفه عقد الأشغال العامة بانه عقد مقاولة بين شخص من أشخاص القانون العام وفرد أو شركة بمقتضاه يتعهد المقاول بعمل من أعمال البناء أو الترميم أو الصيانة مقابل ثمن يحدد في العقد .( ) ومن هذا التعريف يتبين أنه يتميز عقـد الأشغال العامـة بتوافر العناصر التالية: 1- أن يتعلق موضوع العقد بعقار . ويشمل ذلك أعمال البناء والترميم والصيانة الواردة على عقار . وكذلك بناء الجسور وتعبيد الطرق وما إلى ذلك . ويخرج من نطاق الأشغال العامة العقود الواردة على منقول مهما كانت ضخامته , فلم يعتبر القضاء الإداري في فرنسا من عقود الأشغال العامة الاتفاقات التي يكون محلها إعداد أو بناء أو ترميم سفينة أو حظيرة متحركة للطائرات .( ) وقد توسع مجلس الدولة الفرنسي في مفهوم الأشغال العامة وأدخل في اختصاصه كثيراً من العقود التي تتعلق بصيانة الأموال العامة من قبيل أعمال التنظيف والرش في الطرق العامة، وعقود توريد ونقل المواد اللازمة للأشغال العامة، وكذلك عقود تقديم مساعدة مالية أو عينية لتنفيذ أشغال عامة .( ) 2- أن يتم العمل لحساب شخص معنوي . سواء كان العقار محل الأشغال مملوكاً لشخص عام أم مملوكاً لشخص من أشخاص القانون الخاص لكن العمل قد تم لحساب شخص معنوي عام .( ) كذلك اعترف القضاء الإداري الفرنسي بصفة الأشغال العامة لأشغال المرافق العامة الصناعية والتجارية التي تدار بالإشراف مباشر من مؤسسات عامة .( ) أو الأشغال التي تقوم بها البلدية من تلقاء نفسها في عقار مهدد بالسقوط لكفالة الطمأنينة العامة.( ) 3- أن يكون القصد من الأشغال تحقيق نفع عام . في البداية كان مفهوم الأشغال العامة يقتصر على الأشغال التي تتعلق بعقارات تدخل في ضمن نطاق الدومين العام أما الأعمال التي تجري على عقارات تدخل في نطاق الدومين الخاص فلا تعد عقوداً إدارية . إلا أن قضاء مجلس الدولة الفرنسي لم يستقر على هذا المبدأ فعمد إلى توسيع مفهوم الأشغال العامة ليشمل الأعمال المتعلقة بعقارات مخصصة للنفع العام ولو كانت داخله ضمن نطاق الدومين الخاص . ومن ذلك في قضية Commune de Monsegur في 10-6-1921 بخصوص تعويض قاصر عن حادث أصيب به كنسية البلدية مدينة منسيجور إذ ورد " .. إذا كان مرفق العبادة لم يعد مرفقاً منذ قانون 9 ديسمبر سنة 1905 بفصل الكنائس عن الدولة فتنص المادة 5 من قانون 2 يناير سنة 1907 على أن تستمر المباني المخصصة لممارسة العبادة ـ في غير حالات إزالة التخصيص المنصوص عليها في قانون 9 ديسمبر سنة 1905 ـ متروكة تحت تصرف المؤمنين والمكلفين بإقامة شعائر العبادة لممارسة ديانتهم ، وأنه يترتب على ذلك إن الأشغال التي تنفذ في الكنيسة لحساب شخص عام من أجل غرض ذي نفع عام تحتفظ بصفة الأشغال العامة وتدخل الدعاوي الموجهة ضد البلديات بسبب الأضرار الناشئة عن عدم صيانة الكنائس في اختصاص مجلس الأقاليم باعتبارها مرتبطة بتنفيذ أحد الأشغال العامة". ويتميز عقد الأشغال العامة في أن الإدارة تملك سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقد في أوسع مدى لها، إذ تملك سلطة توجيه العمال واختيار طريقة التنفيذ، كما يجوز للإدارة أن تعدل الشروط الأصلية للعقد بما يحقق المصلحة العامة . ثالثاً : عقد التوريد : عرفت محكمة القضاء الإداري المصرية عقد التوريد بأنه " إتفاق بين شخص معنوي من أشخاص القانون العام وفرد أو شركة يتعهد بقتضاه الفرد أو الشركة بتوريد منقولات معينة للشخص المعنوي لازمة لمرفق عـام مقابل ثـمن معين ."( ) ومن ذالك يتبين انه يشترط في هذا العقد مايلي : 1- موضوع عقد التوريد أشياء منقولة دائما، وهو ما يميزه عن عقد الأشغال العامة الذي يتعلق بالعقارات والعقارات بالتخصيص، ومن قبيل هذه المنقولات توريد مواد التموين والأجهزة والبضائع المختلفة الأخرى . 2- اتصال العقد بمرفق عام وتضمنه شروطاً استثنائية غير مألوفة، وإلا فأن العقد يعد من عقود القانون الخاص.ٍ ويستوي بالنسبة لعقد التوريد أن يتم دفعة واحدة أو علي دفعات متعددة ، وقد أفرز التطور الصناعي ظهور عقود جديدة دخلت ضمن نطاق عقد التوريد، تتعلق بتسليم منقولات بعد صناعتها وسميت هذه العقود بعقود التوريد الصناعية Marches industriels والتي تقسم بدورها إلى نوعين من العقود: عقود التصنيع arches de fabrication وعقود التعديل والتحويل Marches de donversion et transfomration .( ) الفصل الثالث إبرام العقــود الإداريـــة لا تملك الإدارة حرية واسعة عند التعاقد، مثلما هو الحال في إبرام الأفراد عقودهم. إذ فرض المشرع جملة من القيود و الإجراءات تلتزم الإدارة بأتباعها حفاظاً على المصلحة العامة و المال العام. وقد أكدت محكمة القضاء الإداري المصرية هذا الاتجاه عندما قضت" من حيث أن الأصل في كيفية إبرام العقود الإدارية و التي يشتد فيها القيد على حرية جهة الإدارة عند تعاقدها يرجع إلى أن الشارع هو الذي يستقل ببيان طريقة إبرام العقود العامة وهو في هذا السبيل يسعى إلى إدراك هدفين كبيرين الأول: تحقيق أكبر وفر مالي للخزينة العامة ، وهذا يستلزم بداهة التزام جهة الإدارة اختيار المتعاقد الذي يقدم أفضل الشروط والضمانات المالية والثاني : مراعاة المصلحة الإدارية ويتطلب تبعاً لذلك تمكين جهة الإدارة من أن تختار أكفاً المتقدمين لأداء الخدمة التي تحرص هي على تحقيقها ".( ) وسنتناول في هذا الفصل طرق وأساليب اختيار المتعاقد مع الإدارة ثم نبحث في إجراءات التعاقد وفقاً لما ورد بهذه اللائحة وفي مبحثين. المبحث الأول طرق إبرام العقود الإدارية تتبع إدارة أساليب عدة في إبرام عقودهما الإدارة.وفي هذا المجال بينت لائحة العقود الإدارية طرق أساسية لإبرام العقود الإدارية أوردتها المادة العاشرة من اللائحة هي: 1- المناقصة . 2- الممارسة . 3- التكليف المباشرة. 4- المزايدة العامة . أولاً : المناقصة : يقوم نظام المناقصة على أساس وجود عدد من الراغبين في التعاقد مع الإدارة، يتنافسون فيما بينهم لتقديم العطاءات تختـار الإدارة أفضلها سعراً وشروطاً. ( ) وتلجأ الإدارة إلى هذا الأسلوب عندما تريد الحصول على الخدمات و السلع مثلما وهو الحال في العقود الأشغال العامة و التوريد، ولا يجوز العدول عن أسلوب المناقصة إلا في حالات خاصة. إذ ورد في المادة الحادية عشر "تبرم عقود الأشغال، وعقود التوريد وغيرها من التوريد وغيرها من العقود الإدارية – بصفة عامة – بطريقة المناقصة العامة ولا يجوز العدول عن طريق المناقصة العامة إلى طريق آخر من طرق التعاقد .. إلا لمقتضى يستند إلى أحكام هذه اللائحة." وتقوم المناقصة على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: 1- الإعلان عن المناقصة . 2- حرية المنافسة. 3- المساواة بين المتنافسين. 1.الإعلان عن المناقصة : إعلان الإدارة عن رغبتها بالتعاقد شرط ضروري لضمان فرص متساوية للراغبين بالتعاقد تتيح لهم تقدير كلفة المشروع موضوع العقد ونوع الخدمات المراد تقديمها وشروطها. إذا يتوجب على الإدارة أن تضع مواصفات تفصيلية كاملة وجداول الكميات التي تبين للأفراد البنود و الإجراءات الواجب اتباعها في تنفيذ العقد و الجزاءات التي يمكن توقيعها على المتعاقد في حالة الإخلال بأحكامه أو التأخر في تنفيذه.إضافة إلى صفة المناقصة وشروط العقد العامة.( ) وتتولى لجنة العطاءات الإعلان عن المناقصة بناء على قرار الجهة المختصة بعد التحقق من صدور الأذن من الجهة المختصة. 2.حرية المنافسة : من مقتضيات هذا المبدأ إعطاء الحق لكل المقاولين أو الموردين المنتمين للمهنة التي تختص بنوع النشاط الذي تريد الإدارة التعاقد عليه، أن يتقدموا بعطاءاتهم بقصد التعاقد مع أحدهم وفق الشروط التي تضعها هي. ( ) ولا يجوز للإدارة أن تبعد أياً من الراغبين في التعاقد و المنتمين إلى هذه المهنة من الاشتراك في المناقصة. ويقوم أساس المنافسة الحرة في نظر الأستاذ De Laubadere على فكرة الليبرالية الاقتصادية القائمة على حرية المنافسة، وفكرة المساواة بين الأفراد في الانتفاع من خدمات المرافق العامة.( ) بالإضافة إلى أن هذا المبدأ يقوم على أساس وقوف الإدارة موقفاً حيادياً إزاء المتنافسين، فهي ليست حرة في استخدام سلطتها التقديرية بتقدير فئات المقاولين التي تدعوها وتلك التي تبعدها.( ) إلا أن هذا المبدأ لا يسري بإطلاقه،إذ ترد علية قيود تقتضيها المصلحة العامة،تسمح للإدارة إبعاد بعض الراغبين بالتعاقد مؤقتا أو نهائيا من التعاقد مع الإدارة. 3.المساواة بين المتنافسين: يقوم هذا المبدأ على أساس أن جميع المتقدمين بعطاءاتهم يكونوا على قدم المساواة مع بقية المتنافسين، وليس للإدارة أن تقيم أي تمييز غير مشروع بينهم فلا تطلب من أحدهم ما لا تطلبه من غيرهم.( ) إلا أن هذا القيد لا ينبغي تعميمه، إذ أن الإدارة تستطيع أن تفرض شروطاً إضافية على المتقدمين إليها تضمن توفر خبرات خاصة أو تطلب وثائق أو شهادات معينة لا تتوفر إلا لفئة معينة من الراغبين في التعاقد. ناهيك عن أن الإدارة تملك إعفاء بعض المتقدمين من بعض الشروط كإعفاء الشركات الوطنية من التأمين الابتدائي الواجب تقديمه أو شرط توافـر القدرة المالية . و المناقصات تقسم على أنواع منها المناقصة العامة و المناقصة المحدودة : المناقصة العامة هي تلك التي يعلن عنها لجميع الراغبين في التعاقد مع الإدارة دون تعيين، وهي القاعدة العامة في المناقصات وتقوم على أساس المبادئ الأساسية التي سبق ذكرها. وعرفتها لائحة العقود الإدارية بأنها هي التي يعلن عنها لجميع أدوات التنفيذ بقصد الوصول إلى أصلح عرض .."( ) و المناقصة العامة أما أن تكون مناقصة داخلية أو محلية وأما أن تكون مناقصة دولية وتتبع في المناقصة المحلية إجراءات المناقصة العامة ذاتها من حيث وجوب المساواة بين المتقدمين وحرية المنافسة فضلاً عن الإجراءات الأخرى، لكن المناقصة تختلف في أن المشاركة فيها تقتصر على الشركات المحلية و المقاولين المحليين الذين يختارون من بين المقيدة أسماؤهم في السجلات المعدة لذلك وهي على ذلك يعلن عنها بالنشر في وسائل الأعلام المحلية. في حين يعلن عن المناقصة العامة أو الدولية عن طريق النشر في وسائل الإعلام المحلية و العالمية، ويتعلق هذا النوع من المناقصات ببعض العقود المهمة التي تتطلب قدراً عالياً من الخبرة، التي لا تتوفر في الشركات المحلية، فيسمح باشتراك الأفراد و الشركات الأجنبية. أما المناقصات المحدودة، فهي المناقصات التي يقتصر الاشتراك فيها على جهات أو أشخاص يختارون عن طريق قائمة تعدها الإدارة بأسمائهم ولا يحق لمن هم خارج هذه القائمة المشاركة إلا في حالات استثنائية.( ) وهذه القائمة تعد بناء على توافر شروط معينة تقررها الإدارة من حيث المقدرة المالية للشركات أو خبرتها الفنية في الأعمال المماثلة، وتلجأ الإدارة إلى هذا الأسلوب في حالات الضرورة ولاعتبارات تعود إلى طبيعة المشروعات التي ترغب الإدارة بإنجازها، و التي تتطلب قدرة من الخبرة و الكفاية، مثلما هو الحال في إنشاء الجسور و الأنفاق و المصافي ... ألخ . ثانياً : الممارسة : يمكن للإدارة أن تلجأ إلى طريق أخر في إبرام عقودها هو طريق الممارسة، ويتم بتقديم العروض أو الاتصال بجهات أو أشخاص متخصصين و التفاوض معهم للوصول إلى أفضل الشروط و الأسعار للتعاقد.( ) ويتميز هذا الأسلوب باختصار الإجراءات الطويلة التي يستغرقها غالباً طريق المناقصة، بالإضافة إلى طابع العلنية من خلال معرفة جميع الراغبين بالتعاقد بالأسعار التي يقدمها المنافسون، و التفاوض العلني للوصل إلى الاتفاق، مثلما هو الشأن بالنسبة لعقود القانون الخاص. ثالثا: التكليف المباشر : تملك الإدارة أيضاً حرية التعاقد مع الجهات بصورة مباشرة دون اتباع إجراءات خاصة، بإصدار أمر الشراء أو التكليف بالأعمال مباشرة من المختص بتوقيع العقود في الوحدات الإدارية، وفق ما يسمى بطريقة التكليف المباشر، وتلجأ الإدارة لهذا الأسلوب في أحوال معينة استثناء. رابعاً المزايدات : تسلك الإدارة طريق المزايدة في إبرام العقود الإدارية المتعلقة ببيع الأشياء التي تستغني عنها الإدارة أو التي يتقرر بيعها وفقاً للقانون، وتتم عن طريق تقديم عطاءات أو عروض للشراء أو بطريق المناداة للوصول إلى أعلى الأسعار.( ) المبحث الثاني إجراءات التعـــاقـــد يمر التعاقد في العقود الإدارية بأربع مراحل، حددها المشروع في لائحة العقود الإدارية وأوجب اتباعها وهي : المرحلة الأولى : استيفاء الإجراءات الشكلية السابقة على التعاقد. المرحلة الثانية : تقديم العطاءات. المرحلة الثالثة : فظ المظاريف و البت فيها. المرحلة الرابعة : إبرام العقد . المرحلة الأولى : استيفاء الإجراءات الشكلية السابقة على التعاقد. يتطلب القانون أن تستكمل الإدارة بعض الإجراءات الشكلية قبل إبرام العقد وأهمها : 1- الاعتماد المالي. 2- دراسة الجدوى . 3- الحصول على تصريح بالتعاقد. 1) الاعتماد المالي :- الإدارة لا تستطيع التعاقد أو إجراء أي تصرف يرتب عليها التزامات مالية، ما لم يتوفر لديها الاعتماد المالي اللازم، كذلك تلتزم الإدارية أن بعدم تجاوز حدود هذا الاعتماد المالي. ويترتب على مخالفة الإدارة لهذا الالتزام مسئوليتها القانونية. وقد أوجبت المادة الثامنة من لائحة العقود الإدارة تراعي الجهات الإدارية حدود الاعتماد قبل إبرام أي عقد من العقود الإدارية باستثناء الأعمال أو المشروعات التي تتم بالجهد الذاتي أو التطوعي أو العمل الجماعي المنظم، ولا يجوز التعاقد على أي عمل أو مشروع غير مدرج بالخطة أو الميزانية. كما لا يجوز التعاقد إلا في حدود الاعتمادات المدرج بالخطة و الميزانية للعمل موضوع العقد. وهنا لابد من التساؤل حول مآل العقد الذي يبرم مخالفاً لشرط توافر الاعتماد المالي أو متجاوزا لحدوده . وفي هذا المجال نجد أن القضاء و الفقه الإداريين قد أستقرا على اعتبار تصرف الإدارة بإبرام عقودها الإدارية بهذه الظروف يكون صحيحاً وملزماً لإطرافه( ) مع ما يشكله من استحالة تنفيذ الإدارة لالتزاماتها المالية في مواجهة المتعاقد معها مما يرتب مسئوليتها القانونية. وقد بررالقضاء الاداري القضاء ذالك بضرورة حماية الأفراد في تعاقدهم مع الإدارة كون علاقتهم مع الإدارة فردية وليست تنظيمية مع وجوب عدم زعزعة الثقة الإدارية. ووفقاً للقواعد العامة في التعاقد لا يمنع تعاقد الإدارة في هذه الحالة، من مطالبة المتعاقد فسخ العقد لعدم تنفيذ الإدارة التزاماتها المالية المستحقة لصالحها مع التعويض إذا كان لها مقتضى . 2) دراسة الجدوى : يوجب المشرع قبل المباشرة بأي إجراء من الإجراءات التعاقد دراسة موضوع العقد وإجراء استشارات متعددة في سبيل إنجاز المشروعات وفقاً للمواصفات المطلوبة في الخطة مع مراعاة حدود الاعتماد المالي المخصص. ونعتقد أن هذه الضوابط لا تعدو أن تكون توجيهات للإدارة تستنير بها قبل الإقدام على التعاقد ومع نص المشرع على وجوب اتباعها، لا يترتب على مخالفة ذلك اعتبار العقد باطلاً.إذ أن دراسة الجدوى من التعاقد في هذين النصين لا تبلغ حد الاستشارة الإلزامية أو الأذن بالتعاقد. ولا يترتب على مخالفة الإدارة لهذه الضوابط إلا مسئوليتها أمام السلطة الإدارية العليا. 3)التصريح بالتعاقد : يشترط قبل إبرام العقد الإداري الحصول على أذن الجهة المختصة التي يحددها القانون، وبعكس ذلك لا يجوز للإدارة مباشرة أي إجراء من إجراءات التعاقد . ويترتب على ذلك أن العقد الذي تبرمه الإدارة دون الحصول على الأذن معدوما من الناحية القانونية ولا يجوز تصحيحه بصدور إذن لاحق. وعلى ذلك لا تتوافر الرابطة التعاقدية بين الإدارة و الطرف الأخر، ويملك هذا الأخير المطالبة بالتعويض الذي لحق به على أساس المسئولية التقصيرية إذا كان له مقتضى. المرحلة الثانية : تقديم العطاءات : خلال المدة التي يحددها الإعلان يتقدم الراغبون بالتعاقد بعطاءاتهم، ولا يعتد بالعطاءات بعد هذه المدة. إلا إذا قررت لجنة العطاءات تمديد مدة قبول العطاءات لأسباب تتعلق بقلة عدد العطاءات المقدمة بالنسبة لأهمية المشروع، أو عندما تطلب مد الميعاد أغلبية الشركات أو المنشآت التي دعيت للمناقصة أو طلب ذلك عدد كبير من الشركات أو المنشآت الراغبة في التقدم للمناقصة. محتويات العطاء: وإذا تم تقديم العطاء فيجب توافر مجموعة من المعلومات و المواصفات التي يتعلق بعضها بالراغب بالتعاقد بينما يتعلق القسم الأخر بالمشروع موضوع المناقصة. وهذه المعلومات ينبغي أن تكون واضحة ودقيقة بشكل لا يسمح بوجود لبس أو تفسير خاطئ. وقد استقر التعامل على وجوب احتواء العطاء على ما يأتي : أولاً : اسم ولقب وعنوان الراغب بالتعاقد وتوقيعه شخصياً على العطاء. وإذا كان مقدم العطاء شركة فيجب تقديم عقد تأسيس هذه الشركة ونوعها ومقدار رأس مالها . ثانياً : بيان طريقة وأسلوب إنجاز المشروع ونوع المكائن و الآلات التي يعتزم الراغب بالتعاقد استعمالها في التنفيذ ثالثا : قائمة تتضمن الأعمال المماثلة التي قام به مقدم العطاء. رابعاً: الوثائق التي تؤيد أن مقدم العطاء غير محروم من التعامل مع الجهات الإدارية أو مستبعد من التقدم للتعامل معها وأنه لم يسبق أن أدين بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة خامساً: قائمة بالأسعار التي يقترح الراغب بالتعاقد، التعاقد بها. سادساً: أن يرفق مع العطاء التأمين الابتدائي أو المؤقت. ولا يلتفت إلى العطاءات غير مصحوبة بهذا التأمين في الكثير من التشريعات وبعضها يستعيظ عنه بخطاب ضما وهذا الشرط يضمن جدية التقدم للمناقصة، وهو من الشروط الأساسية للنظر في العطاء، ومع ذلك يجوز لمقتضيات المصلحة العامة وبموافقة الجهة طالبة التعاقد النظر في العطاءات غير مصحوبة بالتأمين ابتدائي، إذا ما قدم صاحب العطاء أشعار من المصرف بمباشرته إجراءات إصدار التأمين. التزام المتقدم بالعطاء بالبقاء على أيجابه : استقر القضاء و الفقه على أن إعلان الإدارة عن المناقصة يعد دعوة الإدارة.( ) وقد درجت دفاتر الشروط العامة التي تحيل إليها العقود الإدارية وترفق في الغالب مع العطاءات المقدمة من الراغب بالتعاقد، على النص على التزام مقدم العطاء بالبقاء على أيجابه حتى نهاية المدة المحددة لسريان العطاءات. وذهب مجلس الدولة الفرنسي في حكمه الصادر في 9-7-1919 في قضية Crande إلى وجوب التزام مقدم العطاء بعطائه وعدم سحبه حتى ولو لم يتضمن دفتر الشروط هذا المبدأ إذ ورد فيه" منذ لحظة تقديم العطاء يلزم المتقدمون نهائياً تجاه البلدية، وبناء على ذلك فادعاء السيد Crande بأنه أبدى رغبته بسحب عطائه أمر لا قيمة له".( ) واتبعت محكمة القضاء الإداري المصري الاتجاه ذاته في حكمه الصادر في 24-2-1957 عندما قررت أن المدعي في وقائع هذه الدعوة قصد الارتباط بعطائه إلى الوقت الذي تفتح فيه المظاريف، ويخطر صاحب العطاء بقبول عطائه من عدمه.( ) ويلتزم المتقدم بالبقاء على أيجابه حتى تعلن نتيجة المناقصة إذ يتحرر مقدموا العطاءات جميعاً باستثناء من ترسو عليه المناقصة الذي يظل ملتزماً بعطائه إلى أن يتم اعتماد المناقصة. وقد استقر الفقه و القضاء على أن التزام مقدم العطاء بالبقاء على أيجابه مصدره إرادته المنفردة.( ) ومن هؤلاء الفقيه De laubadere الذي ذهب إلى أن الالتزام الناتج عن العطاء إنما هو في الحقيقة، التزام انفرادي ويؤيد رأيه ذلك بقوله :" أن بعض فقهاء القانون الخاص يرون أن المتقدم بالعطاء في القانون المدني يلتزم بالعطاء عندما يحدد مدة لذلك يلتزم خلالها. فأن لم يحدد مدة جاز له سحب عطائه متى شاء عكس ما يحصل في المناقصات العامة حيث لا يستطيع المتقدم للتعاقد مع الإدارة سحب عطائه ".( ) المرحلة الثالثة : فض المظاريف و البت فيها : وفي اليوم المحدد لفض المظاريف تقوم اللجنة المركزية للعطاءات أو اللجنة الفرعية لها بفتح صندوق العطاءات في تمام الساعة الثانية عشر، لفحص كل عطاء على حدة بعد ترقيمه و التحقق من سلامة الأختام، ثم يقرأ اسم مقدم العطاء وقيمته الإجمالية بحيث يسمعه الحاضرون من مقدمي العطاءات ويدون ذلك بمحضر الجلسة . بعد ذلك يجري إرساء المناقصة على صاحب العطاء الأفضل شروطاً و الأقل سعراً من بين العطاءات الأخرى، كقاعدة عامة. ومع ذلك يجوز للجنة أن ترسي المناقصة على مقدم أنسب العروض ولو لم يكن أقلها سعراً لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، مع ضرورة أن تتمثل هذه الأسباب بعوامل جدية تتعلق بطبيعة الأعمال موضوع المناقصة وقيمتها ومواصفاتها، على أن لا يكون الفارق في الأسعار بين أنسب العروض المقدمة وأقلها سعراً كبيراً ويجب أن يكون قرار اللجنة باعتماد هذا العطاء مسبباً.( ) كذلك أذا كان العطاء الأقل سعراً مصحوباً بتحفظات فيجوز للجنة أن تفاوض صاحب العطاء لينزل عن تحفظاته كلها أو بعضها، فإذا رفض جاز التفاوض مع من يليه من مقدمي العطاء. أما إذا تساوت الأسعار بين عطائين أو أكثر فأنه يجوز تجزئة المقادير أو الأعمال موضوع المناقصة بين مقدميها إذا كان ذلك في الصالح العام. ( ) المرحلة الرابعة :إبرام العقد إرساء المناقصة لا يعني إلزام الإدارة بإبرام العقد مع من رسى عليه العطاء فلا يعد قرار الإرساء آخر إجراءات التعاقد وإنما هو إجراء تمهيدي ينتهي بصورة قرار باعتماد الإرساء من الجهة المختصة.( ) لا نزاع في أن للجهات الإدارية السلطة تقديرية في إبرام العقود بعد فحص العطاءات وإرسائها على المتعهدين، ذلك أن تطرح المناقصة في السوق وتقديم العطاءات عنها وفحصها وإرسائها على صاحب أفضل عطاء كل ذلك ما هو إلا تمهيد للعقد الذي تبرمه الحكومة مع المتعهد ومن ثم فهي تملك كلما رأت أن المصلحة العامة تقضي بذلك إلغاء المناقصة و العدول عنها دون أن يكون لصاحب العطاء أي حق في إلزامها بإبرام العد أو المطالبة بأي تعويض عن عدم إبرامه. الفصل الرابع الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد الإداري إذا أبرم العقد الإداري فإنه يترتب عليه جملة من الآثار على طرفيه المتعاقدين، تتمثل في الحقوق والالتزامات التي تتمتع بها الإدارة من جهة وما يقابلها من حقوق والتزامات يتمتع بها المتعاقد من جهة أخرى . وبسبب الطبيعة الخاصة للعقود الإدارية فإن ما تملكه الإدارة من امتيازات يفوق ما يتمتع به المتعاقد الآخر باعتبار أنها تسعى نحو تحقيق الصالح العام . ومن قبيل هذه الامتيازات سلطتها في الرقابة والتوجيه وسلطتها في توقيع الجزاءات على المتعاقد وسلطة تعديل شروط العقد بإرادتها المنفردة . وعلى ذلك سنتناول حقوق والتزامات المتعاقدين في العقد الإداري في مبحثين : المبحث الأول : سلطات الإدارة في مواجهة المتعاقد معها . المبحث الثاني : حقوق المتعاقد في مواجهة الإدارة . المبحث الأول سلطات الإدارة في مواجهة المتعاقد معها مع أن العقود الإدارية تتفق مع عقود القانون الخاص في أنها تنشئ بين الأطراف حقوقاً والتزامات متبادلة، غير إنها تختلف من حيث عدم تسليمها بقاعدة المساواة بين المتعاقدين، فتتمتع الإدارة بحقوق وامتيازات لا يتمتع بمثلها المتعاقد ترجيحاً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة للمتعاقد . وفي ذلك تنص المحكمة الإدارية العليا في مصر في حكم لها: " فبينما مصالح الطرفين في العقد المدني متساوية ومتوازنة إذا بكفتي المتعاقدين غير متكافئة في العقد الإداري تغليباً للمصلحة العامة على المصلحة الفردية من ذلك سلطة الإدارة في مراقبة تنفيذ شروط العقد وتوجيه أعمال التنفيذ واختيار طريقته وحق تعديل شروطه المتعلقة بسير المرفق وتنظيمه والخدمة التي يؤديها وذلك بإرادتها المنفردة حسبما تقتضيه المصلحة العامة دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين وكذا حق توقيع جزاءات على المتعاقد وحق فسخ العقد وإنهائه بإجراء إداري دون رضاء هذا المتعاقد إنهاء مبتسراً دون تدخل القضاء". ( ) وعلى ذلك نبين فيما يأتي حقوق وسلطات الإدارة في مواجهة المتعاقد معها في المجالات الآتية : أولاً : سلطة الرقابة والتوجيه . ثانياً : سلطة توقيع الجزاءات على المتعاقد . ثالثاً : سلطة تعديل شروط العقد . رابعاً : سلطة إنهاء العقد . أولاً : سلطة الرقابة والتوجيه Le pouvoir de control et surveillance تتمتع الإدارة بحق الرقابة والإشراف على تنفيذ العقد، كما تملك سلطة توجيه المتعاقد وإصدار الأوامر والتعليمات اللازمة لهذا التنفيذ . وغالباً ما تشترط الإدارة ضمن نصوص عقودها الإدارية أو في دفاتر الشروط العامة والخاصة التي تحيل عليها، حقها في إصدار القرارات التنفيذية التي تخضع التنفيذ لتوجيهها وتراقب المتعاقد في تنفيذ التزاماته . فالإدارة عندما تتعاقد مع الأشخاص لا تتخلى عن مسئوليتها للمتعاقد معها، إنما تعاون المتعاقد في تسيير المرفق تحت إشرافها ورقابتها، ويكون لزاماً عليها الرقابة والتوجيه أثناء عمل المتعاقد في تنفيذ العقد . ولهذه السلطة نظيرها في عقود القانون الخاص أما في العقود الإدارية فأن الإدارة تملك سلطات أوسع تتعدى الرقابة إلى توجيه المتعاقد إلى كيفية التنفيذ والتدخل باختيار الطريقة المناسبة للتنفيذ . وحق الإدارة في الرقابة والتوجيه يختلف في مداه من عقد إداري إلى آخر، فهي محدودة في عقد التوريد وأكثر اتساعاً في عقود الأشغال العامة إذ أن الإدارة غالباً ما تمارس هذه السلطة عن طريق إرسال مهندسيها لزيارة موقع العمل والتأكد من سير العمل وفقاً للمدى الزمني المحدد ووفقاً للمواصفات المذكورة في العقد وإصدار الأوامر المناسبة في هذا المجال . شريطة أن تكون هذه التعليمات لازمة لتنفيذ العمل . ومن قبيل رقابة الإدارة وأشرفها على تنفيذ عقودها حق الإدارة في التدخل في علاقة المتعاقد بمستخدميه وعماله، وتنظيم ساعات العمل وتحديد الأجور الخاصة بهم .( ) غير أن السلطة ليست مطلقة إذ أن الإدارة تلتزم بعدم التعسف باستخدامها لتحقيق أغراض خاصة لا تتعلق بالمصلحة العامة . ومن جانب أخر يجب أن لا تؤدي الرقابة والتوجيه إلى حد تغيير طبيعة العقد .( ) ثانياً : سلطة توقيع الجزاءات على المتعاقد تملك الإدارة سلطة توقيع الجزاءات على المتعاقد معها إذا قصر في تنفيذ التزاماته سواء امتنع عن التنفيذ أو تأخر فيه أو نفذ الالتزام على غير الوجه المطلوب أو أحل غيره محله في التنفيذ دون موافقة الإدارة . وتعد سلطة فرض الجزاءات أخطر السلطات التي تتمتع بها الإدارة في مواجهة المتعاقد معها بقرار تصدره دون اللجوء إلى القضاء. ( ) وتخضع سلطة الإدارة في فرض الجزاءات على المتعاقد معها لنظام قانوني خاص هو نظام القانون العام في العقود الإدارية إذ أن ضرورة الحرص على سير المرافق العامة بانتظام وأطراد تستلزم التشدد في التعامل مع المتعاقد لإجباره على تنفيذ العقد بدقة ، ولما كانت الإجراءات المعروفة في قواعد القانون الخاص كالفسخ والتنفيذ العيني مع التعويض لا تكفي للحيلولة دون إخلال المتعاقد، استلزم أن تتمتع الإدارة بهذا الحق تحقيقاً للمصلحة العامة . وقد درجت الإدارة على النص في عقودها في الشروط العامة والخاصة الملحقة بها على سلطة الإدارة بإيقاع الجزاءات ، وعد القضاء الإداري في فرنسا ومصر في العديد من أحكامه الشروط التي تتضمن هذا الحق شروطاً استثنائية باعتبرها امتيازا من امتيازات السلطة العامة .ً وفي ذلك قررت محكمة التنازع الفرنسية في حكمها بتاريخ 14-11-1960 في قضية Societe Vandroy-Jaspar " أن النص على الجزاءات في العقد يعد في حد ذاته شروطاً استثنائية .." ) ) كذلك فأن العديد من قرارت مجلس الدولة الفرنسي نصت على أن سلطة توقيع الجزاءات مستقلة عن نصوص العقد وتوجد ولو لم ينص عليها فيه أما إذا نص العقد على بعضها فإن ذلك لا يعني تقييد حرية الإدارة فيما عدا ما نص عليه،بل تستطيع الإدارة تحت رقابة القضاء أن توقع على المتعاقد أنواع الجزاءات المقررة جميعها.( ) وقد أيد هذا الاتجاه غالبية الفقهاء إلا أن المحكمة الإدارية العليا أكدت في قرارها في 8-4-1967 أنه إذا توقع المتعاقدان خطأ معيناً وحدد له في العقد جزاء معيناً فلا يجوز للإدارة أن تخالف ما نص عليه العقد . إذ ورد في الحكم " إذا توقع المتعاقدان في العقد الإداري خطأ معيناً ووضع له جزاء بعينه فيجب أن تتقيد جهة الإدارة بما جاء في العقد ، ولا يجوز لها كقاعدة عامة أن تخالفه أو تطبق في شأنه نصوص لائحـة كانت ماثلة أمـامها عند إبرام العقد " . (( ولا نعتقد صواب هذا الاتجاه إذ غالباً ما تكون المخالفة من الجسامة بحيث لم تكن الإدارة قد توقعت حصولها عند إبرام العقد وأن الجزاء الذي نص عليه العقد لا يتناسب مع مقدار تلك المخالفة . هذا وتنبع فكرة الجزاءات الإدارية من مفهوم السلطة العامة في العقود الإدارية وما هي إلا تطبيق لامتياز التنفيذ المباشر الإرادة ملزمة باستخدام هذه السلطة حفاظاً على حسن سير المرافق العامة ومن غير الممكن أن تتنازل عن هذه السلطة لا جزئياً بتقييد حقها في اتباع أنواع معينة من صور الجزاءات ولا كلياً وتتمتع بسلطة تقديرية في فرض هذه الجزاءات لا يقيدها في ذلك إلا المصلحة العامة . أنواع الجزاءات الإدارية : استقر غالبية الفقهاء على تقسيم الجزاءات الإدارية التي توقعها الإدارة على المتعاقد معها. إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي الجزاءات المالية والجزاءات غير المالية ( الضاغطة ) والجزاءات التي تسمح بإنهاء العقد . 1- الجزاءات المالية Les Sanctinos pecunaires الجزاءات المالية هي عبارة عن مبالغ المال التي يحق للإدارة أن تطالب بها المتعاقد إذا أخل بالتزاماته التعاقدية سواء امتنع عن تنفيذ التزاماته بالكامل أو تأخر في تنفيذها أو نفذها على وجه غير مرض بالكامل أو حل غيره محله دون موافقة الإدارة . والجزاءات المالية نوعين فقد تكون مرتبطة بحصول ضرر لحق الإدارة نتيجة لخطأ المتعاقد ، وقد تكون نوعاً من العقاب على المتعاقد بغض النظر عن صدور خطأ منه، فالجزاءات المالية في العقود الإدارية لا تقتصر على تعويض الضرر بل تشمل الغرامات التأخيرية التي تعد ضماناً لإنجاز المتعاقد مع الإدارة عمله على أتم وجه ويشكل إرغاماً للمتعاقد على الوفاء بالتزاماته التعاقدية . ( ) ويمكننا الإشارة إلى أهم أنواع هذه الجزاءات وكالأتي : أ-التعويضات Les Dommages من المستقر فقها وقضاء أن كل إخلال بالتزام عقدي أو بالتزام يفرضه القانون ويسبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض . ويؤكد غالبية الفقهاء أن التعويض في العقود الإدارية يقترب من فكرة التعويض في القانون الخاص فيما يتعلق بكيفية تقديره وفي اشتراط ركن الضرر، ولكن النظامين يختلفان من حيث طريقة تحديده وكيفية تحصيله . بل أن من الفقهاء من لايعد التعويض من الجزاءات الإدارية لأنه تطبيق للقواعد العامة في القانون الخاص كما يرونه .( ) ولا نرى صواب هذا الاتجاه إذ أن التعويض في مجال العقود الإدارية ، يتميز في أن الإدارة تملك فرضه بإرادتها المنفردة وهي التي تحدد مقداره وكيفية تحصيل قيمته وهذه الامتيازات تبرز الطبيعة الخاصة لهذا الجزاء بصفته جزاءاً إدارياً ، ويضاف إلى ذلك أن التعويض في العقود الإدارية لا يعد دائماً تعويضاً عن ضرر، إذ غالباً ما يمثل إجراءاً ضاغطاً على المتعاقدين توخياً لتنفيذ التزاماتهم على الوجه الأكمل .( ) ويسمح التشريع الفرنسي للإدارة في كثير من الحالات بأن تلجأ إلى تحصيل التعويضات بمقتضى أوامر بالدفع تصدرها بإرادتها المنفردة . وللمتعاقد أن يطعن بالتعويض أمام القضاء ويجوز لقاضي العقد أن يقرر إعفاءه منه متى تبين له صحة الأساس الذي يبنى عليه كما يجوز له تخفيضه إذا كان مبالغـاً فيه .( ) أما المحكمة الإدارية العليا فإنها تسمح للإدارة بحق تحصيل التعويض بشرط أن ينص في العقد على ذلك. بهذا الشأن تقول " لا وجه لإلزام الإدارة بأن تلجأ إلى القضاء لتحصيل منه على حكم بالتعويض، ما دام أن العقد يخولها صراحة الحق في إجراء المقاصة من أية مبالغ تكون مستحقة أو تستحق للمتعاقد معها مهما كان سبب الاستحقاق لدى المصلحة نفسها أو أي مصلحة حكومية أخرى عن كل خسارة تلحقها . فإذا كان العقد قد نص أيضا على أن يكون ذلك بدون الإخلال بالمصلحة في المطالبة قضائياً بالخسارة التي لا يتيسر لها استرداها فلا يعني هذا بالضرورة إلزام المصلحة بالاتجاه إلى القضاء ما دام أن حوزتها القدر من المبالغ الكافية لجبر التعويض عن الأضرار، بل النص يعني تحويل الإدارة حق الاتجاه إلى القضاء إذ لم تكف المبالغ التي في حوزتها لجبر الضرر كاملاً" . ( ) ب- الغرامات التأخيرية Les pe nalites الغرامات التأخيرية هي مبالغ إجمالية من المال تقدرها الإدارة مقدماً تتضمنها نصوص العقد بصفته جزاءاً يفرض على الطرف الآخر إذا تراخى أو تأخر في التنفيذ .( ) والغرامة التأخيرية جزاء من الممكن أن تتضمنه شروط العقود الإدارية كافة، وهو امتياز تتمتع به الإدارة ولو لم تتعرض لضرر ما من جراء تأخر المتعاقد لأن الضرر يكون مفترضاً لتعلقه بتسيير مرفق عام . وفي الغالب تنص العقود التي تبرمها الإدارة على اشتراط الغرامة التأخيرية، وتملك الإدارة توقيعها دون الحاجة إلى إنذار أو اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بتطبيقها . ويلزم النص في العقد على الغرامة تقييد الإدارة بمبلغها فلا تستطيع المطالبة بتعديل المبلغ على أساس أن الضرر يفوق على مبلغ الغرامة، كما أن المتعاقد لا يستطيع إثبات أن الإدارة لم يصيبها ضرر من جراء التأخير في التنفيذ . أما إذا نص على مقدار من الغرامة وتضمنت الشروط العامة أو الخاصة مقداراً آخر فالعبرة بما ورد في العقد لأن إرادة الطرفين قد اتفقت على اعتبار أحكامه أساساً لالتزاماتها، أما إذا اغفلا النص على الغرامات وتضمنتها الشروط فتعتمد الغرامات التأخيرية المنصوص عليها في الشروط لكونها جزءاً مكملا للعقد . لكن السؤال المهم هو هل يمكن فرض الغرامات التاخيرية ولو لم ينص عليها لا في العقد ولا في الشروط الملحقة به ؟. ذهب جانب من الفقه أن الإدارة تملك الحق في فرض الغرامات التأخيرية ولو لم يرد عليها نص في العقد .( ) إلا أن الراجح أنه لابد من النص على الغرامات التأخيرية في العقد أو الشروط الملحقة به التي يحيل العقد عليها. وقد أوضح القسم الاستشاري بمجلس الدولة المصري هذا الأمر بقوله " أن هذه اللائحة لا تعتبر مكملة للعقد، ولايمكن تطبيق الجزاءات المبينة ما لم يتضمن العقد أحكامها أو الإحالة عليها باعتبارها جزء مكملاً له، وبذلك فإن الإدارة لا يجوز لها توقيع غرامة لم ينص عليها العقد استناداً إلى اللائحة المذكورة .."( ) ومن المستقر عليه في الفقه والقضاء الإداريين أن الإدارة تتمتع بسلطات تقديرية واسعة في فرضها للغرامات التأخيرية، ومع ذلك لا يجوز فرض الغرامة إذا كان التأخير لسبب عائد للإدارة، أو بسبب قوة قاهرة أو ظرف طارئ كذلك يعفى المتعاقد من الغرامة إذا ثبت إن التأخير قد حصل بفعل طلبه مهلة للتنفيذ ووافقت الإدارة على ذلك، أو أن التأخير حصل بفعل الغير . ج-مصادرة التأمينات : التأمينات هي مبالغ مالية تودع جهة الإدارة تتوقى بها آثار الأخطاء التي يرتكبها المتعاقد أثناء تنفيذ العقد الإداري ويضمن لها ملائته لمواجهة المسؤوليات الناتجة عن تقصيره .( ) ومصادرة التأمينات عبارة عن شرط جزائي من شروط العقود الإدارية يتم الإتفاق عليه مع المتعاقد جزاءا لإخلاله بالتزاماته التعاقدية إلا أنه يختلف عن الشرط الجزائي في عقود القانون الخاص ، في أن الإدارة تملك فرضه بإرادتها المنفردة دون الحاجة لصدور حكم من القضاء بذلك ودون أن تسلتزم تحقق ضرر ما، وبهذا المعنى يكتسب هذا الشرط طبيعته الإدارية . والتأمين على نوعين تأمين ابتدائي يدفع عند التقدم بالعطاء العقد لضمان جدية المتقدم بالعطاء وتأمين نهائي يدفع بعد قبول العطاء لضمان قيام المتعاقد بتنفيذ التزاماته طبقاً لشروط العقد . وليس هناك ما يمنعه من الجمع بين جزاء مصادرة التأمينات واستحقاق التعويض بما لا يتجاوز التعويض الكلي لجبر الضرر الذي أصاب الإدارة ، على أساس أن التأمين النهائي، يمثل الحد الأدنى للتعويض الذي يحق للإدارة اقتضاؤه لكنه لا يمثل الحد الأقصى، شرط أن لا ينص العقد الإداري ضمن شروطه على منع ذلك وأن يجاوز الضرر الحاصل للإدارة التأمين المودع لديها .( ) 2- الجزاءات غير المالية أو الضاغطة Les Sanctions Coerctives هذا النوع من الجزاءات لا يهدف إلى تحميل المتعاقد أعباء مالية نتيجة إخلاله بالتزاماته التعاقدية إنما يهدف إلى الضغط عليه لإجباره على التنفيذ. وتتخذ وسائل الضغط ثلاث صور: - أ-وضع المشروع تحت الحراسة في عقد الامتياز La mise Sous Sequestre يتعلق هذا الإجراء بعقد التزام المرافق العامة ،ويتم بأن تضع جهة الإدارة المرفق موضوع العقد تحت الحراسة ، وذلك في حالة التوقف الكلي أو الجزئي للمرفق، حتى ولو لم يكن هناك خطأ منسوباً إلى الملتزم . ( ) فقد تفرض الإدارة هذا الإجراء بسبب التوقف الكلي أو الجزئي للمرفق لأسباب لا دخل لإرادة الملتزم بها لو كما كان التوقف راجعاً لقوة قاهرة ضماناً لاستمرار سير المرفق، وفي هذه الحالة لا يتحمل الملتزم المخاطر المالية، التي تترتب على إدارة المرفق، أما في حالة فرض الحراسة جزاءاًً لتقصير الملتزم فإن المشروع يدار على حسابه وتحت مسؤوليته . ومن المعروف أن هذه السلطة تملكها الإدارة دون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء بشرط أن تعذر الملتزم، وللأخير الحق في الطعن بقرار الإدارة ، طالباً للتحقق من أن الحراسة قد فرضت لدواعي المصلحة العامة في استمرار عمل المرفق وليس لدواع أخرى . فالإدارة معرضة لإلغاء قرارها إذا كان مشوباً بعدم المشروعية أو لم يكن له ما يبرره من ناحية توافر الخطأ مع التعويض إذا كان له مقتضى .( ) ب- سحب العمل من المقابل في عقد الأشغال العامة: La Mise en regie يقصد بهذا الجزاء أن تحل الإدارة محل المقاول المقصر في تنفيذ أعماله وقيامها بتنفيذ العمل بنفسها على حسابه أو تعهد إلى غيره بتنفيذ هذه الأعمال على مسئولية المقاول وحسابه. ( ) وغالباً ما يتطلب قيام الإدارة بهذا الإجراء وجود تقصير أو إخلال بالغ الجسامة من المتعاقد . وتنص دفاتر الشروط العامة غالبا على الحالات التي يجوز للإدارة أن تستخدم هذا الإجراء في حالة تحققها . ومن ايباب فرض هذا الجزاء على سبيل المثال: 1- إذا تأخر في البدء في التنفيذ أو تباطأ فيه على نحو ترى معه الجهة المتعاقدة أنه لن يتمكن من إتمامه في المدة المحددة بالعقد وذلك برغم تنبيهه كتابة . 2- إذا أوقف العمل إيقافاً تاماً دون سبب معقول . 3- إذا تأخر في تنفيذ العقد في المواعيد المتفق عليها ولم تر الجهة المتعاقدة إعطاءه مهلة لذلك أو عجز عن الإنجاز في المهلة التي أعطيت له . 4- إذا قام بنفسه أو بواسطة غيره وبطريق مباشر أو غير مباشر باستعمال وسيلة من وسائل الغش أو التدليس أو التلاعب في تنفيذ العقد أو التعامل مع الجهة المتعاقدة أثناء ذلك التنفيذ . 5- إذا أعسر المتعاقد أو اشهر إفلاسه أو دخل في صلح مع دائنيه . 6- إذا أهمل إهمالاً جسمياً في تنفيذ العقد أو أغفل القيام بأحدى التزاماته الجوهرية المقررة في العقد ولم يباشر في إصلاح آثار ذلك. هذا وقد استقرت أحكام مجلس الدولة الفرنسي والمحكمة الإدارية العليا في مصر .على وجوب أعذار المقاول المقصر في تنفيذ التزاماته ما لم يتضمن العقد نصاً صريحاً يعفي الإدارة من هذا الإجراء أو في حالة الاستعجال والضرورة. إلا أن رقابة القضاء على قرار سحب العمل من المقاول في عقد الأشغال العامة ينصرف إلى مشروعية هذا القرار ومدى ملاءمته والتعويض عنه إذا كان له مقتضى ، لكنه لا يتعدى إلى إلغاء القرار . ويلاحظ أن الإدارة عندما تستخدم إجراء السحب فإنها تملك احتجاز ما يوجد بموقع العمل من منشآت وقتية ومبان وآلات وأدوات ومواد وغير ذلك وأن تستعملها في إتمام العمل دون أن تكون مسئولة لدى المقاول عما يصيبها من تلف أو نقص لأي سبب كان أو دفع أي أجر عنها . كما تملك حجز هذه الأدوات بعد انتهاء العمل ضماناً لحقوقها قبل المقاول، ولها أن تبيعها لاستيفاء هذه الحقوق وما يكون قد ترتب لها من تعويضات عما لحقها من أضرار بسبب سحب العمل .( ) هذا ومن المهم التفرقة بين سحب العمل من المقاول وبين قيام الإدارة بالاتفاق معه على أن تتجزأ قسماً من المقاولة بنفسها أو بالاستعانة بمقاول آخر فالمقاول يتحمل النفقات الإدارية في الحالة الأولى ولا يتحملها في الحالة الثانية . ج – الشراء على حساب المتعاقد في عقد التوريد: Le Marche pardefut يرتبط هذا الجزاء في الغالب بعقود التوريد فإذا تخلف المتعاقد عن تنفيذ التزامه بالتوريد، تقوم الإدارة بالتنفيذ على حسابه ومسئوليته . وقد جرى العمل على أن تمنح الإدارة للمتعاقد مهلة أولية بإخطاره بوجوب تنفيذ التزاماته مع توقيع غرامة إذا اقتضى الأمر ذلك، إلا إذا اشترط في العقد على إعفاء الإدارة من توجيه الإنذار . ومن المسلم به أنه يجب أن يكون إخلال المتعاقد من الجسامة بحيث يبرر للإدارة استخدام هذا الجزاء، ويتمتع القضاء بسلطة تقديرية واسعة بهذا الشأن عند الطعن في مشروعية قرار الإدارة بفرضه . 3-الجزاءات التي تسمح للإدارة بإنهاء عقودها : للإدارة سلطة إنهاء العلاقة التعاقدية بينها وبين المتعاقد معها قبل الأجل المحدد في عقد الامتياز والقيام بالتنفيذ الكامل في عقود الأشغال العامة وعقد التوريد، واصطلح على هذه السلطة بالفسخ بالنسبة للعقود الإدارية المختلفة "والإسقاط" عندما يتعلق العقد بإنهاء عقد الالتزام . أ- فسخ العقد : Resiliation ducontrat الفسخ جزاء يجوز الإدارة توقيعه على المتعاقد يضع نهاية الرابطة التعاقدية بينهما، وفي الغالب تستخدم الإدارة هذا الجزاء في حالة ارتكاب المتعاقد خطاً جسيماً في تنفيذ التزاماته التعاقدية. ومن المخالفات الجسيمة التي تبرر الفسخ حالة ثبوت إخلال المتعاقد بتعهد مراعاة أحكام قانون مقاطعة العدو الصهيوني و القرارات الصادرة بمقتضاه.( ) وقد ذهب جانب من الفقه إلى أن الحق الإداري بالفسخ لعدم التنفيذ هو تطبيق لما قررته المادة (1184)من القانون المدني الفرنسي ومضمونه أنه في حالة العقود الملزمة للجانبين يكون للأفراد الحق بفسخ العقد عندما لا ينفذ أحد المتعاقدين ما عليه من التزامات. ( ) ولا يمكن التسليم بهذا الرأي لمخالفته المستقر في أحكام القضاء الإداري الذي يعد حق الإدارة في الفسخ قائما بذاته مستقلا عن العقد و الشروط كما أن الإدارة تستطيع ان تفرض هذا الجزاء دون ان تلجأ إلى القضاء للحصول على حكم الفسخ اعتماداً على سلطتها في التنفيذ المباشر، على خلاف المستقر في القانون الخاص وما تقضي به المادة المذكورة.( ) ومن المبادئ العامة المستقرة قضاء أن يكون قرار الفسخ مسبوقاً بأعذار المتعاقد، إلا إذا اشترط في العقد على إعفاء الإدارة منه أو إذا ثبت من ظروف الحال أن الأعذار لا فائدة منه. وتملك الإدارة فسخ العقد بإرادتها المنفردة حتى ولو لم ينص العقد على هذا الحق ودون الحاجة إلى انتظار موافقة القضاء على إيقاعه . ورقابة القضاء على مشروعية قرار الفسخ وملاءمته لخطأ المتعاقد تنصرف إلى التعويض في حالة مخالفة القرار للمشروعية دون التعدي إلى إلغاء القرار. ب-الإسقاط : Decheance الإسقاط هو المصطلح الذي أطلقه مجلس الدولة الفرنسي على فسخ عقد الالتزام، والإسقاط، طريقة من طرق إنهاء العقد الإداري قبل انقضاء مدة انتهائه الطبيعية، وما هو إلا جزاء توقعه السلطة مانحة الالتزام على الملتزم نتيجة لإخطاء جسيمة اقترفها في إدارته للمرفق، بحيث يصبح من المتعذر الاطمئنان إلى استمراره في إدارة المرفق وتسييره على نحو سليم، ولا يستحق الملتزم أية تعويضات نتيجة لإسقاط التزامه . وبهذا يختلف الإسقاط عن الاسترداد التي تقرره السلطة مانحة الالتزام في أي وقت تشاء قبل انتهاء مدة الامتياز الممنوحة للملتزم حتى ولو لم يصدر أي خطأ من جانبه، مقابل تعويض يكون واجباً على الإدارة لقاء حرمـان الملتزم من إدارة المرفـق حتى نهـاية مدة الالتزم .( ) وتملك الإدارة هذا الحق ولو لم ينص في عقد الامتياز، لكن المعتاد أن عقود الامتياز تتضمن نصاً خاصاً ينظم هذه الحالة لأهمية هذه العقود التي تتعلق بتسيير مرافق عامة. ومن الأخطاء الجسمية التي استقر مجلس الدولة الفرنسي على اعتبارها من الأخطاء التي تبرر اتخاذ قرار الإسقاط، التنازل عن الالتزام دون موافقة الإدارة، والإخلال المستمر والمنتظم بالتزامات التعاقدية، ِأو ترك المرفق دون استغلال، أو عدم أداء المستحقات الماليـة للجهة مانحة الالتزام أو إخلاله بالتزام جوهري في العقد .( ) ويتوجب على الإدارة عند إصدار قرار الإسقاط أن تحذر الملتزم ولولم ينص العقد أو الشروط على ذلك إلا إذا نص العقد على إعفاء الإدارة من هذا الإجراء أو أعلن الملتزم صراحة أنه لم يعد يستطيع إدارة المرفق، أو إذا كان الإسقاط بسبب الإفلاس أو التصفية القضائية بالنسبة للملتزم .( ) وينفرد عقد الامتياز في فرنسا بوجوب أن يكون قرار الإسقاط صادراً عن قاضي العقد فالإدارة لا تستطيع ممارسة هذا الحق ابتداء ما لم ينص العقد على هذا الحق أو تتضمنه الشروط العامة أو الخاصة الملحقة بالعقد . وفي هذه الحالة يتمتع مجلس الدولة بسلطة واسعة في الرقابة على قرار الإدارة بالإسقاط لتتجاوز المشروعية والملاءمة إلى التعويض والإلغاء .( ) ولا يأخذ مجلس الدولة في مصر بهذا إذ تتمتع الإدارة بسلطة إسقاط الالتزام دون الحاجة إلى نص في العقد أو شرط في دفاتر الشروط، بناء على ما تملكه من سلطة التنفيذ المباشر.( ) ثالثاً : سلطة تعديل شروط العقد : من المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها عقود القانون الخاص قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومضمونها أن لا يجوز لآي من المتعاقدين التحلل من التزاماته بصورة منفردة ولا يجوز لأي من المتعاقدين تعديل العقد أو نقضه إلا بالاتفاق مع المتعاقد الأخر . إلا أن الطبيعة الخاصة للعقود الإداري وعدم مساواة المتعاقدين لكون الفرد يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة بينما تسعى الإدارة لتحقيق المصلحة العامة. مما تقتضي ترجيح كفة الإدارة في مواجهة المتعاقد معها، ومن مستلزمات ذلك أن لا تتقيد الإدارة بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وأن تتمكن من تعديل عقودها لتتمكن من تلبية التغيير المستمر في المرافق التي تديرها . وقد نشأ جدل فقهي كبير حول مسألة تمتع الإدارة بهذه السلطة بين مؤيدين ومعارضين. فقد ذهب الفقيه لوليه L huillier إلى إنكار هذه السلطة والقول أن سلطة الإدارة في تعديل الإدارية، فكرة ابتدعها الفقه ولم تؤيد بأحكام مجلس الدولة الفرنسي، وأضاف أن هذه الفكرة وجدت في قضاء مجلس الدولة، إنما تجد أساسها في تفسير العقد وفقاً لنية المتعاقدين التي تتضح في نـص صريح أو ضمني مـن نصوص الـعقد ذاته أو اللائحة المرفقة به .( ) بينما ذهب الرأي الراجح من الفقه الفرنسي إلى وجود سلطة تعديل الإدارة لعقودها الإدارية كقاعدة عامة من مقتضاها إن الإدارة تملك أثناء تنفيذها العقد سلطة تغيير شروطه وتعديل مدى التزامات المتعاقد بالزيادة أو بالنقصان، وتشمل هذه القاعدة العقود الإدارية جمعيها دونما حاجة إلى نص في القانون أو شرط في العقد .(( وقد اعترف مجلس الدولة الفرنسي بفكرة تعديل العقود الإدارية أول مرة في 21-2-1910 في القضية الخاصة بشركة ( ترام مرسيليا) المتعلقة بعقد التزام مرفق عام، ثم امتدت هذه السلطة لتشمل العقود الإدارية كافة.( ) ولاقت هذه السلطة القبول لدى الفقه والقضاء الإداريين وأصبحت الإدارة تفرض بإرادتها المنفردة على المتعاقد معها تغيير أحد شروط العقد كمدته أو أوضاع تنفيذه أو كمية الأعمال المراد تنفيذها. ( ) هذا ويجوز للمتعاقد أن يطلب من الجهة الإدارية المتعاقدة تمديد مدة العقد إذا كانت هناك أسباب جوهرية تبرر ذلك . ويقدم طلب التوريد من جانب المتعاقد إلى الجهة المتعاقدة مرفقاً ببيان للمبررات والأسباب بوضوح والمدة الإضافية المطلوبة، ولا يجوز في هذه الحالة للمتعاقد أن يطالب الجهة المتعاقدة بأية نتيجة لهذا التمديد . شروط استعمال الإدارة لسلطة التعديل : أن سلطة الإدارة في تعديل العقد الإداري ليست سلطة مطلقة دون قيود ولهذا فإن القانون الإداري وأحكام القضاء قد فرضت على الإدارة قيوداً لا بد من مراعاتها عندما تنوي استخدام سلطة التعديل وهذه المبادئ والأحكام يمكن إجمالها بما يلي : 1-اقتصار تعديل العقود على نصوصه المتصلة بتسيير المرفق وحاجاته : أن طبيعة احتياجات المرفق المتغيرة باستمرار هي التي تقضي بتعديل بعض نصوص العقد، ويجب أن لا يمس هذا التعديل النصوص المتعلقة الامتيازات المالية لأن هذا الأمر سيؤدي حتماً إلى عزوف الأفراد عن التعاقد مع الإدارة . قضت محكمة القضاء الإداري المصري" أن سلطة الإدارة في التعديل ليست مطلقة، بل يرد عليها قيود منها أنها تقتصر على نصوص العقد المتعلقة بتسيير المرفق وحاجاته ومقتضياته" . ( ) إلا في أحوال معينة استثنتها الشروط العامة الملحقة بالعقود الإدارية في بعض الدول وأجازت تعديل أجور السلع وأسعارها في عقود التزام المرافق العامة مع الأخذ بالحسبان التوازن المالي للعقد . ( ) كما يشترط أن تكون تلك التعديلات في حدود معقولة على أساس مداها بحيث لا تؤدي إلى فسخ العقد الأصلي أو تبدل موضوعه أو تضع العقبات في طريق تنفيذ العقد . 2-وجود ظروف قد استجدت بعد إبرام العقد : اثر النقاش حول وجوب أن تكون قد استجدت ظروف بعد إبرام العقد تبرر إقدام الإدارة على تعديل عقودها لكي تستخدم سلطتها على هذا الأساس . ذهب الدكتور ثروت بدوي إلى تأكيد أن سلطة الإدارة في التعديل لا تقوم إلا إذا استجدت بعد إبرام العقد ظروف تبرر هذا التعديل، فإذا أخطأت الإدارة في تقرير مقتضيات سير المرافق العامة، فهي لا تملك بعد ذلك تعديل العقد بـما يتفق ومقتضيات سير الـمرافق العامة. (2) ويرد الدكتور سليمان الطماوي على هذا الرأي بالقول"أن هذا الرأي يتجاهل الأساس الذي تقوم عليه سلطة التعديل فهي مرتبطة بالقواعد الضابطة لسير المرافق العامة ومن أولها قاعدة قابلية المرافق العامة للتغيير،والمرفق العام يقبل التغيير في كل وقت متى ثبت أن التغيير من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الخدمة التي يقدمها إلى المنتفعين، وفكرة التعديل هي فكرة ملازمة للقاعدة السابقة،وسواء أكانت الإدارة مخطئة أو غير مخطئة في تقديراتها،فإنه يجب أن تمكنها من تنظيم المرافق بالطريقة التي تحقق الصالح العام على أتم وجه ممكن،لأننا لسنا بصدد عقاب الإدارة على خطئها ولكن بصدد أعمال القواعد الضابطة لسير المرافق العامة." (3) ويبدو أن رأي الدكتور "سليمان الطماوي" أكثر صوابا لأن عدم قدرة الإدارة على التوقـع أو توقعها غير السليم لا يسلب حقها بضرورة مواجهة الظروف المستجدة التي قد يتعرض لها المرفق . أما إذا ثبت أن الظروف التي تدعي الإدارة أنها قد استجدت كانت موجودة عند إبرام العقد أو أن الإدارة لا تستهدف من التغيير مقتضيات المصلحة العامة وضرورة تسيير المرافق العامة وإنما تسعى لتحقيق مصالح خاصة، فإن للمتعاقد أن يلجأ إلى القضاء لإقتضاء التعويض المناسب . 3- الالتزام بموضوع العقد : لا يجوز أن يؤدي التعديل إلى تغيير طبيعة العقد، فلا يجوز للإدارة أن تجري من التعديلات ما يجعل المتعاقد أمام عقد جديد ففي هذه الحالة يكون للمتعاقد أن يطلب فسخ العقد ويمتنع عن التنفيذ. وقد جرى القضاء الإداري في فرنسا على عدم جواز تعديل نصوص العقد الأساسية على أساس أن الشروط غير قابلة للتعديل، إذ أن ذلك يستلزم أخذ موافقة الطرف الثاني وإقالة العقد القديم وإنشاء عقد جديد متى توافرت عناصره ( ). 4- احترام قواعد المشروعية : يجب على الإدارة في الأحوال التي يجوز لها تعديل العقد أن تحترم مبدأ المشروعية ، إذ لا بد أن يصدر قرار التعديل من سلطة مختصة به وفق الصيغة التي حددها القانون ، وينبغي أن يكون قراراها موافقاً للأنظمة النافذة . وقد استقرت أحكام القضاء الإداري على أن الإدارة لا يحق لها إجراء أي تعديل في شروط العقد إلا إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، فللإدارة حق تعديل شروط العقد وإضافة شروط جديدة بما يتراءى لها أكثر اتفاقاً مع الصالح العام ( ). أو كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك ( ) . رابعاً : سلطة إنهاء العقد : تتمتع الإدارة بامتياز مهم في عقودها الإدارية هو قدرتها على إنهاء العقد الإداري بإرادتها المنفردة قبل إتمام هذا العقد نهائياً، دون أن يصدر خطأ من جانب المتعاقد. وقد ورد في حكم محكمة القضاء الإداري المصري "أن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة .. ويترتب على ذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام وليس للطرف الأخر إلا الحق في التعويض إن كان له وجه وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو إنهائها دون إرادة الطرف الأخر" ( ) . وغالباً ما تضمن الإدارة عقودها شرط تمتعها بهذا الامتياز تجاه المتعاقد معها، وتضمنه في أحيان أخرى في دفاتر الشروط العامة والخاصة، إلا أن ذلك لا يعني أن الإدارة لا تملك إنهاء عقودها إذا لم يوجد مثل هذا الشرط، فمن المستقر فقها وقضاء أن هذه السلطة موجودة خارج شروط العقد ونصوص القوانين والأنظمة ( ) . وقد اختلف الفقهاء في تحديد الأساس القانوني لسلطة الإدارة في إنهاء عقودها الإدارية دون خطأ إلا أن أغلبهم ذهب إلى أن هذه السلطة ما هي ألا صورة من صور التعديل الانفرادي، على أساس أن الإنهاء هو تعديل للشرط الخاص بالمدة. وفي ذلك ذهب Rivero إلى أن حق الفسخ الانفرادي هو امتداد طبيعي لسلطة الإدارة في التعديل الانفرادي ( ). بينما ذهب Benoit إلى أن حق الإدارة في فسخ عقودها الإدارية بإرادتها المنفردة هو مبدأ مقرر بواسطة القضاء، إلا أنه يضيف إلى ذلك أن هذه السلطة تختلف عن سلطة التعديل الانفرادي فلكل منها نطاقها المستقل إذ أن التعديل معناه أن يفرض على المتعاقد تقديم أشياء أو أداء أعمال لم ينص عليها في العقد في حين يشمل الإنهاء كل حذف جزئي أو كلي لالتزامات المتعاقد دون أن يطلب منه تقديم بديل عنها ( ). وأوضح جانب أخر من الفقهاء أن سلطة الإدارة في إنهاء العقد إنما تقوم على ضرورات المرافق العامة التي تستلزم إنهاء العقود التي لم تعد نابعة أو متماشية مع المصلحة العامة، ومن أنصار هذا الرأي الفقيه Pequignot، الذي ذهب إلى أنه من غير المعقول أن يصبح العقد حائلاً دون تحقيق أهداف الإدارة وتأمين المنفعة العامة ( ). وقد أيد هذا الاتجاه جمع كبير من الفقهاء العرب ( ). ويمارس القضاء الإداري رقابته على قرار الإدارة بإنهاء العقد للمصلحة العامة من حيث مدى مشروعيته وتأسيسه على مقتضيات المصلحة العامة ، فإذا تبين للقضاء أن قرار الإنهاء لم يقم على أسبا قرار الإنهاء لم يقم على أسباب مشروعة حكم للمتعاقد بالتعويض المناسب، دون أن تمتد سلطة المحكمة للبحث في ملائمة القرار وإلغائه .على أن قضاء مجلس الدولة الفرنسي يملك إلغاء قرار الإنهاء إذا تبين أنه لم يؤسس على سبب مشروع بالإضافة إلى حق المتعاقد في الحصول على التعويض المناسب لما لحقه من ضرر نتيجة إنهاء العقد قبل أوانه دون تقصير منه . المبحث الثاني حقوق المتعاقد في مواجهة الإدارة مثلما تملك الإدارة حقوق في مواجهة المتعاقد معها، فإن الأخير يتمتع بحقوق متماثله وتتمثل هذه الحقوق في حقه في الحصول على المقابل النقدي وحقه في اقتضاء بعض التعويضات، وأخيراً حقه في ضمان التوازن المالي للعقد. أولاً : المقابل النقدي :- يسعى المتعاقد مع الإدارة لتحقيق مصالح مادية من وراء تعاقده تتمثل بالمقابل النقدي للسلع أو الخدمات التي قدمها للإدارة وفقاً لالتزاماته التعاقدية . وتختلف طبيعة هذا المقابل باختلاف العقود الإدارية، ففي عقد الامتياز يتمثل بما يحصل عليه المتعاقد من رسوم تفرض على المنتفعين من خدمات المرفق ، أما في عقود التوريد والأشغال العامة، قد يكون بشكل الثمن الذي تدفعه الإدارة نظير السلع التي تم توريدها أو الأشغال التي تم تنفيذها. والقاعدة فيما يخص المقابل المادي تنص على أن لا يدفع إلا بعد إنتهاء تنفيذ العقد، وتسوية الحساب الختامي إلا في بعض الحالات التي تتعلق بطبيعة العقد الذي يتطلب تنفيذه مدة طويلة. ثانياً : حق اقتضاء التعويضات :- للمتعاقد وفقاً للقواعد العامة أن يتقاضى بعض التعويضات في حالة تسبب الإدارة بإحداث ضرر به لعدم تنفيذها التزاماتها التعاقدية . كذلك يتقاضى المتعاقد التعويض عن الأعمال الإضافية التي ينجزها ولم تكن واردة بالعقد إذا كانت هذه الأعمال ضرورية لتنفيذ العقد وتكون مطالبته في هذه الحالة استناداً إلى قاعدة الإثراء بلا سبب ( ). كما يستحق المتعاقد التعويض إذا واجه أثناء تنفيذ العقد صعوبات مادية استثنائية لم تدخل في حساب طرفي العقد وتقديرهما عند التعاقد وتجعل التنفيذ أكثرمن الكلفة التي قدراها . وقد أفتت الجمعية العمومية لقسم الرأي في مصر بتاريخ 4/ 2/ 1964 "أن نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة تجمل في أنه إذا ما صادف المتعاقد في تنفيذ التزاماته صعوبات مادية ذات طبيعة استثنائية خالصة، ولا يمكنها توقعها بحال من الأحوال عند إبرام التعاقد وتؤدي إلى جعل تنفيذ العقد مرهقاً فإن من حقه أن يطالب بتعويض كامل عما تسببه هذه الصعوبات من أضرار" ( ). ثالثاً : ضمان التوازن المالي للعقد :- أن الاعتراف للإدارة بسلطة تعديل شروط العقد وزيادة أو إنقاص التزامات المتعاقد معها بإرادتها المنفردة لابد أن يقابلها من جانب أخر حق للمتعاقد يتمثل بمنحه من الامتيازات المالية ما يساوي الزيادة في التزاماته، فالعدالة تقتضي أن يكون من طبيعة العقود الإدارية أن تحقق بقدر الإمكان توازناً بين الأعباء التي يتحملها المتعاقد مع الإدارة وبين المزايا التي ينتفع بها . وأصطلح على هذه الفكرة بفكرة التوازن المالي للعقد، وقد أقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي هذه الفكرة في العديد من أحكامه وخاصة في مجال عقود الالتزام كما أشار إليها الكثير من مفوضي الدولة. ففي تقرير مفوض الدولة ليون بلوم Leon blum في قضية (الشركة الفرنسية العامة للترام) بتاريخ 21-3-1910 أوضح أنه "إذا انهار الاقتصاد المالي للعقد، وإذا أدى استعمال السلطة مانحة الالتزام حقها في التدخل إلى حدوث شيء من الاختلاف في هذا التوازن بين المزايا والأعباء، بين الالتزامات والحقوق.. فليس ما يمنع الملتزم من اللجوء إلى قاضي العقد فيثبت أن التدخل وإن كان مشروعاً في ذاته وإن كان ملزماً له، سبب له ضرراً يتعين تعويضه عنه" ( ). وقد انقسم الفقه في تحديد معنى التوازن المالي للعقد إلى جانبين ذهب الجانب الأول منه ويتزعمهم الفقيه Pequignot إلى القول أن التوازن المقصود هنا هو وضع نسبة حسابية دقيقة بين التزامات المتعاقد وحقوقه ( ) . بينما ذهب الجانب الأخر إلى أن التوازن المالي للعقد لا يعني الجمود الحسابي بين الحقوق والالتزامات، وإنما يقصد به مرونة التزامات المتعاقد مع الإدارة تقضي مرونة حقوقه في مواجهة الإدارة، فيكون من الضروري أن تناسب حقوق المتعاقد معه التزاماته، زيادة أو نقصاً على الأقل إذا كان حصول هذه الزيادة أو النقص بفعل الإدارة . وهذا الاتجاه هو الراجح فقها وقضاء، فقد قضت محكمة القضاء الإداري المصري في 30-6-1957 "أن الفقه والقضاء الإداري قد خلق نظرية الظروف الطارئة ونظرية التوازن المالي للعقد وغيرها من النظريات والقواعد التي تحقق بقدر الإمكان توازناً بين الأعباء التي يتحملها المتعاقد مع الإدارة وبين المزايا التي ينتفع بها.. أن من حق المتعاقد المضار من حالة الظروف الطارئة أن يطلب من الطرف الآخر مشاركته في هذه الخسائر التي تحملها فتعوضه عنها تعويضاً جزئياً.." ثم يستمر هذا الحكم ليقرر مبدأ استقلال نظرية التوازن المالي للعقد عن النظريات الأخرى فيقول :" ومن هذا تختلف هذه النظرية " نظرية الظروف الطارئة" عن نظرية التوازن المالي للعقد من ناحية أن نظرية التوازن المالي تقوم على مقابلة الحق المعترف به لجهة الإدارة في تعديل العقد الإداري للمصلحة العامة بإصلاح ما يحدث للعقد الذي هو طرف فيه، أما في نظرية الظروف الطارئة فإنه بالرغم من أن الضرر الذي يقع يرجع إلى سبب غريب عن جهة الإدارة فإن العقد يظل قائماً وموجوداً كما هو، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التعويض تأسيساً على نظرية التوازن المالي للعقد يكون تعويضاً كاملاً عن جميع الأضرار التي تصيب المتعاقد أما في حالة الظروف الطارئة فإنه يكون مقصوراً على معاونة ومساهمة في مقدار الضرر.." ( ) وعلى هذا فإن فكرة التوازن المالي تتعلق بالاختلال المالي للعقود بفعل الإدارة وهي فكرة ملازمة للتعديل في العقود الإدارية ولايمكن الاعتماد عليها أساساً فيما يتعلق بالنظريات الأخرى التي تحدد الالتزامات التعاقدية كنظرية عمل الأمير ونظرية الظروف الطارئة ونظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة، ونجد أن من المناسب أن نتناولها تباعاً. 1-نظرية عمل الأمير Theorie du fait du prince يراد بعمل الأمير جميع الأعمال الإدارية المشروعة التي تصدر عن السلطة الإدارية المتعاقدة، وتؤدي إلى ضرر بالمركز المالي للمتعاقد معها . وهذه النظرية من خلق مجلس الدولة الفرنسي وقد كان يطبقها بالنسبة لجميع الأعمال الإدارية التي تصدر من السلطات العامة في الدولة وينتج عنها إخلال بالتوازن المالي للعقد، إلا أنه ضيق من نطاق هذه الأعمال وحصرها بالأعمال الصادرة عن الجهة الإدارية التي أبرمت العقد، وقد اتبع القضاء الإداري في مصر هذا الاتجاه . فقد ورد في فتوى صادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مصر أن عمل الأمير هو " إجراء خاص أو عام يصدر عن جانب الجهة الإدارية المتعاقدة لم يكن متوقعاً وقت التعاقد، يترتب عليه إلحاق ضرر خاص بالمتعاقد لا يشاركه فيـه سائر من يمسهم الإجراء ".( ) شروط تطبيق النظرية : يشترط لتطبيق نظرية الأمير توافر ما يأتي :- 1- أن يتعلق عمل الأمير بعقد إداري : لا تقوم نظرية الأمير إلا بخصوص تنفيذ عقد إداري أياً كان نوعه، ولا مجال لتطبيق هذه النظرية على عقود القانون الخاص . 2- أن يكون الفعل الضار صادراً من جهة الإدارة المتعاقدة : ومع ذلك فإذا صدر هذا الفعل من جهة أخرى لا يمنع من تطبيق نظرية الظروف الطارئة إذا توافرت شروطها، ويستوي أن يكون هذا الفعل قد صدر بشكل تشريع أو قرار إداري. ( ) 3- أن ينتج عن هذا الفعل ضرر للمتعاقد : ويتمثل هذا الضرر في زيادة أعباء تنفيذ شروط التعاقد إلى حد يخل بالتوازن المالي للعقد، ولا يشترط في هذا الضرر درجة معينة من الجسامة، فقد يكون جسمياً أو يسيراً وبهذا تختلف نظرية فعل الأمير عن نظرية الظروف الطارئة التي تتطلب إصابة المتعاقد بضرر جسيم لتطبيقها . 4- أن لا تكون الإدارة المتعاقدة قد أخطأت بعملها الضار: يشترط لتطبيق هذه النظرية أن تتصرف الإدارة في حدود سلطتها المعترف بها وأن لا تكون الإدارة قد أخطأت باتخاذ هذا العمل . فالإدارة تسأل في نطاق هذه النظرية بصرف النظر عن قيام خطأ في جانبها، ذلك أن المسئولية هنا تكون مسئولية عقدية بلا خطأ أما إذا انطوى تصرفها على خطأ، فإنها تسأل على أساس هذا الخطأ . ( ) 5- أن يكون الإجراء الذي أصدرته الإدارة غير متوقع : يشترط لتطبيق هذه النظرية أن يكون الإجراء أو التشريع الجديد غير متوقع الصدور وقت التعاقد، فإن المتعاقد مع الإدارة يكون قد أبرم العقد وهو مقدر لهذه الظروف الأمر الذي يترتب عليه تعذر الاستناد إليها.( ) ومن المستقر في هذا المجال أن شرط عدم التوقع لا ينصرف إلى أصل الحق في التعديل، فهذا التعديل متوقع من الإدارة دائماً، ولكن عدم التوقع هو في حدود هذا التعديل ( ) الآثار المترتبة على تطبيق نظرية عمل الأمير :- يترتب على توافر شروط تطبيق نظرية عمل الأمير إعادة التوازن المالي للعقد عن طريق تعويض المتعاقد عن الأضرار التي لحقت به نتيجة الإجراء الذي أصدرته الإدارة، تعويضاً كاملاً . وفي ذلك استقر القضاء الإداري على أن يشمل التعويض ما لحق المتعاقد من خسارة بسبب عمل الأمير من قبيل ما تحمله من نفقات إضافية ورسوم جديدة ، وكذلك مافاته من كسب يتمثل بالمبالغ التي كان سيحصل عليها لو لم يختل التوازن المالي للعقد . ويتم تقدير مبلغ التعويض باتفاق الطرفين، فإذا لم يتم هذا الاتفاق فإن القضاء يتولى هذا التقدير . وقد بينت محكمة القضاء الإداري المصري الأسس التي يتم من خلالها تحديد مقدار التعويض في حكمها بتاريخ 30-6-1957 الذي ورد فيه " أن القاعدة بالنسبة للتعويض على أساس التوازن المالي للعقد .. أنه إذا لم يكن مقداره متفقاً عليه في العقد، فإن جهة الإدارة لا تملك أن تستقل بتقديره، بل يقدره قاضي العقد اعتباراً بأنه ينشأ عن تكاليف غير متوقعة، وإن كل ما هو غير متوقع يعتبر خارجاً عن نطاق العقد ، فلا تطبق عليه شروطه، ولتعبير "عدم التوقع" في هذه الخصوصية معنى خاص بها هو أن التكاليف الزائدة التي تلقى على عاتق المتعاقد تعتبر غير متوقعة، ما دام إنها ليست جزءً من الاتفاق، بمعنى أنه لا يقابلها في شروط العقد أي تقدير ، والمحكمة إنما تقدر هذا التعويض طبقاً للقواعد المقررة في القانون الإداري في هذا الشأن وهو يشمل عنصرين، الأول ما لحق المتعاقد من خسارة ، ويتضمن هذا العنصر المصروفات الفعلية التي أنفقها المتعاقد، وهذه المصروفات تختلف باختلاف الأحوال وطبيعة التعديل ونتائجه، ومثال ذلك ما إذا طلبت الإدارة سرعة إنجاز الأعمال، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة التكاليف على المتعاقد بدفع أثمان مرتفعة أو زيادة في أجور الأيدي العاملة، كما أنه من الجائز أن يترتب على تعديل العقد أثناء تنفيذه خسائر متنوعة، وفي هذه الحالة يجب تقدير هذه الخسائر مادامت علاقة السببية قائمة بينها وبين الإجراء الذي طلبت جهة الإدارة من المتعاقد معها اتخاذه، والثاني ما فات المتعاقد مع الإدارة من كسب اعتباراً بأن من حقه أن يعوض عن ربحه الحلال من عمله ورأس ماله .. " ( ) . 2. نظرية الظروف الطارئة : Theorie du L impr evision نظرية الظروف الطارئة من خلق مجلس الدولة الفرنسي، الذي أقرها في حكمه بتاريخ 30-3-1916 بشأن قضية إنارة مدينة "بوردو" وتتلخص وقائع القضية في أن الشركة الملتزمة بتوريد الغاز لمدينة بوردو، أثناء تنفيذها للعقد، وجدت أن الأسعار التي تتقاضاها أبعد كثيراً من أن تغطي النفقات بعد الارتفاع في أسعار الفحم المستخرج منه الغاز ارتفاعاً كبيراً عقب نشوب الحرب العالمية الأولى، بحيث ارتفع سعر الفحم إلى أكثر من ثلاثة أمثاله، فقد كان ثمن طن الفحم عند إبرام العقد في عام 1904- "23 فرنكا" ، وارتفع في عام 1916 إلى أكثر من "73 فرنكاً"، مما أصبح معه تنفيذ الشركة لالتزاماتها مرهقاً . وقد طلبت الشركة من بلدية المدينة المتعاقد معها رفع الأسعار المفروضة على المنتفعين، فرفضت البلدية ذلك، وتمسكت بشروط العقد استناداً إلى قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" المتبعة في عقود القانون الخاص. وقد عرض النزاع على مجلس الدولة الذي أٌقر بدوره نظرية الظروف الطارئة كسبب لإعادة التوازن المالي للعقد ، وفي ذلك ورد الحكم " .. من حيث أنه نتيجة لاحتلال العدو الجزء الكبير من مناطق إنتاج الفحم في أوربا القارة، ولصعوبات النقل بالبحر التي تتزايد خطورة أكثر فأكثر سواء بسبب الاستيلاء على البواخر أو بسبب طبيعة أعمال الحرب البحرية ومدتها، فإن الارتفاع الطارئ خلال الحرب العالمية الحالية في أسعار الفحم، وهو المادة الأولية في صناعة الغاز بلغ نسبة لا توصف فقط بأنها ذات طبيعة استثنائية بالمعنى المعتاد لهذا اللفظ ولكنه أدى كذلك إلى ارتفاع في تكلفة صناعة الغاز لدرجة أخلت بكل الحسابات، وجاوز أقصى حدود الزيادات التي كان يمكن للطرفين توقعها عند إبرام عقد الالتزام، وأنه نتيجة لاجتماع كل الظروف السابق بيانها انقلب اقتصاد العقد بصورة مطلقة، وأن الشركة إذن على حق في التمسك بأنها لا تستطيع كفالة تشغيل المرفق بذات الشروط المتفق عليها أصلاً طالما استمر الموقف غير العادي المذكور أعلاه .." وخلص المجلس من ذلك إلى قوله "بالتزام الشركة بضمان المرفق محل الالتزام، ومن ناحية أخرى بأن عليها أن تتحمل فقط خلال هذه الفترة الوقتية جزءً من النتائج المبهضة لموقف القوة القاهرة.. الذي يسمح بالتفسير المتزن للعقد بتركه على عاتقها..( ). ومن هذا يتضح أن نظرية الظروف الطارئة لا تجعل تنفيذ العقد مستحيلاً مثلما هو الحال بالنسبة للقوة القاهرة التي تعفي المتعاقد من التنفيذ، فالتنفيذ في نظرية الظروف الطارئة يبقى ممكناً ولكنه مرهق، وعلى ذلك لا تعفى المتعاقد من تنفيذ العقد، إلا أنها تمنح المتعاقد الحق في الطلب من الإدارة أن تسهم في تحمل بعض الخسائر التي تلحق به، ضماناً لحماية المرفق العام واستمراره في أداء خدماته دون انقطاع . شروط تطبيق النظرية : يشترط لتحقيق هذه النظرية توافر الشروط الآتية :- 1- وقو ع حوادث استثنائية عامة غير متوقعة بعد إبرام العقد وأثناء تنفيذهويشترط ألا يمكن دفعها أو تداركها من قبيل الظروف الاقتصادية كارتفاع الأسعار ارتفاعاً فاحشاً، أو سياسياً مثل إعلان الحرب، أو طبيعياً كحدوث زلزال أو فيضان . ويشترط في هذا الظرف أن لا يكون متوقعاً، وفي ذلك بينت محكمة القضاء الإداري، أن هذا الشرط ينطوي إلى حد كبير على معنى المفاجأة في صورة معينة، كأن يجد المتعاقد مع الإدارة نفسه إزاء حالة لم يكن يتوقع حدوثها، لا بناء على دفتر الشروط ولا من دراسته الأولية للمشروع أو على الرغم من تنبيهه أو ما اتخذه من حيطة لا تفوت على الشخص البصير بالأمور قبل الإقدام على الإسهام في تسيير المرفق العام والتعاقد بشأنه ( ) . هذا ويعد الظرف الطارئ غير متوقع ولو كان ذلك يتعلق فقط بنطاق هذا الظرف الطارئ لا بأصله، فإذا كان المتعاقد يتوقع ارتفاع الأسعار ولكنه لم يكن يتوقع ارتفاعها إلى الحد الذي وصلت إليه فإن الشرط يعد متوفراً وتطبق النظرية في هذه الحالة ( ). 2- أن يكون الحادث الطارئ خارجاً عن إرادة المتعاقد ومستقلاً عن إرادته: فلا يستطيع المتعاقد أن يستفيد من هذه النظرية، إذا كان متسبباً بإحداث الظرف الذي جعل تنفيذ التزامه مرهقاً . كذلك يلزم أن لا تكون الإدارة هي التي تسببت في إحداث هذا الظرف بخطئها أو بفعلها فتكون ملزمة في هذه الحالة بتعويض المتعاقد عما لحقه من ضرر وفق قواعد المسئولية أما على أساس الخطأ أو استناداً إلى فكرة المسؤولية دون خطأ وفقاً لنظرية عمل الأمير التي أوضحناها سابقاً . 3- أن يؤدي الظرف الطارئ إلى إلحاق خسائر غير مألوفة ومن شأن هذه الخسائر أن تؤدي إلى اضطراب في التوازن المالي للعقد، وإرهاق المتعاقد. وعلى ذلك فإن حدوث خسائر بسيطة للمتعاقد لا تسمح بالاستفادة من هذه النظرية التي تستلزم أن تكون الخسارة الناشئة عن الظرف الطارئ تجاوز الخسارة العادية المألوفة . هذا ومن الواجب أن ينظر إلى العقد بمجمله لتحديد مدى الإرهاق الذي لحق بالمتعاقد فلا ينظر إلى جانب من جوانب العقد الذي من الممكن أن يكون مجزياً ومعوضاً عن العناصر الأخرى، التي أدت إلى الخسارة ( ). 4- أن يستمر المتعاقد في تنفيذ العقد : لكي يتمكن القاضي من رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول يجب أن يكون الالتزام قائماً ولم يتم تنفيذه، وهذا الشرط يستلزم أن يكون العقد من شانه أن يمتد مدة من الزمن تسمح بتحقيق الظروف الطارئة، ويحصل ذلك في الغالب في عقود امتياز المرافق العامة وعقود التوريد والأشغال العامة . الآثار المترتبة على تطبيق نظرية الظروف الطارئة :- أن تطبيق نظرية الظروف الطارئة متى توافرت شروطها لا تعفى المتعاقد من تنفيذ التزاماته فالمتعاقد يبقى ملزما بالاستمرار في تنفيذ العقد، وهذا ما يميز نظرية الظروف الطارئة عن القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً . كما تختلف نظرية الظروف الطارئة عن نظرية عمل الأمير في أنه يترتب على تحقق عمل الأمير تعويض المتعاقد تعويضاً كاملاً يشمل ما لحق المتعاقد من خسارة وما فاته من كسب أما في نظرية الظروف الطارئة فإن التعويض لا يغطي إلا الخسائر التي نجمت عن الظرف الطارئ والتي تجاوزت الحدود المعقولة ( ). وقد بينت المحكمة الإدارية العليا هذا المبدأ بقولها "أن التعويض الذي تلتزم به جهة الإدارة لا يستهدف تغطية الربح الضائع – أياً كان مقداره أو الخسارة العادية المألوفة في التعامل – وإنما أساسه تحمل الجهة الإدارية المتعاقدة لجزء من خسارة محققة وفادحة"( ). والإدارة في سبيل تعويض المتعاقد، قد تتفق مع المتعاقد على تعديل العقد وتنفيذه بطريقة تخفف من إرهاقه وتتحمل بعض عبء هذا الإرهاق بالقدر الذي يمكن المتعاقد من الاستمرار بتنفيذ العقد ، وإذا لم يتم هذا الاتفاق فإنه للقضاء أن يحكم بتعويض المتعاقد استناداً إلى التفسير المعقول للعقد ( ). هذا ويتميز حق التعاقد في اقتضاء التعويض وفق نظرية الظروف الطارئة بأنه حق مؤقت ينقضي بانقضاء الظرف الطارئ، فلا يتصور أن يستمر طويلاً ، ويملك أي من المتعاقدين أن يفسخ العقد وذلك بالاستناد إلى نظرية القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً ويكون الفسخ أما بحكم قضائي أو قرار إداري ومن الممكن أن يكون حكم المحكمة بالفسخ مصحوباً بالتعويض إذا كان له مقتضى . ومن الملاحظ هنا أنه لا يجوز الاتفاق على إعفاء الإدارة من التعويض استناداً إلى نظرية الظروف الطارئة ويعد باطلاً اشتراط الإدارة ذلك لمخالفته للنظام العام . 3- نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة Theorie des Suj etions imprevuse. يصادف المتعاقد مع الإدارة في بعض الأحيان وخاصة في عقود الأشغال صعوبات مادية غير متوقعة لم تدخل في حساب طرفي العقد عند التعاقد، وتجعل تنفيذ الالتزام أشد وطأة على المتعاقد مع الإدارة وأكثر كلفة. وفي هذه الحالة درج القضاء الإداري في فرنسا على ضرورة تعويض المتعاقد إذا أدت الصعوبات التي واجهته إلى قلب اقتصاديات العقد، على أساس أن النية المشتركة لأطراف العقد اتجهت إلى أن الأسعار المتفق عليها في العقد أنما وضعت في ظل الظروف العادية وأن أي زيادة في الأسعار بسبب الصعوبات المادية غير المتوقعة تتطلب تقدير خاص يتناسب معها. ( ) وغالباً ما تظهر هذه الصعوبات في صورة ظواهر طبيعية كما لو صادفت المتعاقد لحفر نفق كتل صخرية بالغة الصلابة لم يكن في وسعة توقعها رغم ما اتخذه من حيطة ودراسات للمشروع قبل التنفيذ . وقد طبق القضاء الإداري المصري هذه النظرية فقضت محكمة القضاء الإداري بتاريخ 20-1-1957 " ومن حيث أن المدعى يؤسس طلب التعويض – في هذه الحالة- على النظرية المعروفة بنظرية الصعوبات غير المتوقعة، وهي من النظريات التي ابتكرها الفقه والقضاء الإداري، مقتضاها أنه عند تنفيذ العقود الإدارية وبخاصة عقود الأشغال العامة قد تطرأ صعوبات مادية استثنائية لم تدخل في حساب طرفي العقد وتقديرهما عند التعاقد، وتجعل التنفيذ أشد وطأة على المتعاقد مع الإدارة وأكثر كلفة، فيجب من باب العدالة تعويضه عن ذلك بزيارة الأسعار المتفق عليها في العقد زيادة تغطي جميع الأعباء والتكاليف التي تحملها اعتباراً بأن الأسعار المتفق عليها في العقد لا تسري ألا على الأعمال العادية المتوقعة فقط، وأن هذه هي نية الطرفين المشتركة، والتعويض هنا ، لا يتمثل في معاونة مالية جزئية تمنحها جهة الإدارة للمتعاقد معها بل يكون تعويضاً كاملاً عن جميع الأضرار التي يتحملها المقاول، وذلك بدفع مبلغ إضافي له على الأسعار المتفق عليها.."( ) شروط تطبيق نظريه الصعوبات المادية يشترط لتطبيق هذه النظرية توافر الشروط آلاتية :- 1-أن تكون الصعوبات مادية : وترجع هذه الصعوبات في الغالب إلي ظواهر طبيعية ترجع إلى طبيعة طبقات التربة محل العقد كأن يكتشف المتعاقد أن الأرض المراد تنفيذ العقد فيها ذات طبيعة صخرية مما يقتضي زيادة مرهقة في النفقات و التكاليف ، أو يفاجأ المتعاقد بوجود طبقات غزيرة من الـمياه تحتاج إلى نفقات غير عـاديه في سحبها وتجفيفها . ( ) كما قد ترجع الصعوبات إلى فعل الغير ، وليس إلى ظواهر طبيعية ، كوجود قناة مملوكة لشخص ولم يشر إليها أو مواصفاته . (( 2- أن تكون الصعوبات المادية استثنائية وغير عاديه : اشترط القضاء لتطبيق هذه النظرية مثلا إذا كانت الطبقة الصلبه من التربة لمساحة محدودة وانما يجب أن تكون بامتداد غير عادى ولمساحة واسعه أو بنسبة كبيره من مجموع المنطقة محل العقد .( ) ويترك للقاضي مسألة ما إذا كانت الصعوبات المادية ذات طابع استثنائي من عدمه ويختلف ذلك حسب الحالات المعروضة كل على حده . 3- أن تكون الصعوبات المادية طارئة أو غير متوقعه : يشترط لتطبيق هذه النظرية أن تكون الصعوبات المادية طارئة وغير متوقعه وقت التعاقد كأن يفاجأ المتعاقد بحاله لم يكن قد توقعها لابناء على دفتر الشروط ولافى دراساته الاوليه المشروع أو على الرغم مما نبه إليه أوما اتخذه من حيطه لا تفوت على الشخص البصير بالأمور قبل الإقدام على المساهمة في تسيير المرفق العام والتعاقد بشأنه . ( ) 4- أن يكون من شأن هذه الصعوبات أن تلحق اضطراب في التوازن المالي للعقـد : وعلى ذلك فإذا كان من شأن الصعوبات أن تلحق بالمتعاقد خسائر بسيطة فانه لا يسمح بالاستفادة في هذه النظرية فمن الواجب أن يصل الضرر حدا يتجاوز الخسارة المألوفة ليقلب اقتصاديات العقد ويتبين ، هذا من مقدار النفقات والتكاليف التي ينفقها المتعاقد زيادة على القيمة الاجمالية للعقد. 5- أن تكون الصعوبات من غير عمل أحد طرفي العقد : يشترط لتطبيق هذه النظرية أن لا يكون للمتعاقد دخل في أحداث الصعوبات أو زيادة آثارها خطورة وأن يثبت انه لم يكن في وسعه توقى آثارها وانه لم يخرج على شروط العقد أثناء قيامه بتنفيذ التزاماته . ويشترط من جانب آخر أن لا يكون للاداره دخل في وجود تلك الصعوبات وأن كان يمكن الاستفادة من نظريه عمل الأمير في هذا المجال . 6- أن يستمر المتعاقد في تنفيذ العقد : لكي يستفيد المتعاقد من هذه النظرية يجب أن يستمر في تنفيذ العقد رغم الصعوبات المادية التي يواجهها ، فإذا توقف فانه يتعرض للجزاءات المتر تبه على إخلاله بتنفيذ العقد ويفقده الحق في المطالبة بالتعويض استناداً إلى هذه النظرية . وفى هذا تتفق نظريه الصعوبات الماد يه غير المتوقعة مع نظرتي الظروف الطارئة وعمل الأمير التي لا تؤدى إلى تحلل المتعاقد من التزاماته . الآثار المترتبه على تطبيق النظرية : يترتب على توافر شروط هذه النظرية حصول المتعاقد مع الاداره على تعويض كامل عن جميع الأضرار التي يتحملها وذلك بدفع مبلغ معين إضافي له على الأسعار المتفق عليها.(( وبذلك تختلف هذه النظرية من حيث سببها والنتائج المتر تبه عليها عن نظريه الظروف الطارئة ،فهذه الاخيره تطبيق بسبب ظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعيه ينتج عنها قلب اقتصاديات العقد أو اختلال توازنه المالي ويقتصر التعويض فيها على قدر محدد تساهم فيه جهة الاداره . كما أنها تختلف عن نظريه عمل الامير من حيث سببها ، فهذه الاخيره تطبق بسبب اجراء عام أو خاص صادر عن السلطة الاداريه المتعاقده ، ولكنها تتفق معها في النتيجة ،ففي كلا الحالتين التعويض كامل وليس جزئي ، على أن تطبيق هذه النظريه لا يعفي بحال من الأحوال من الاستمرار في تنفيذ التزاماته ، مالم يصبح هذا التنفيذ مستحيلا فنكون أمام حاله القوه القاهره . وقد أكدت المحكمه الاداريه العليا في مصر هذا الاتجاه في حكمها بتاريخ 30-12-1997 بقولها "..الثابت من الأوراق أن هناك صعوبات ماديه لم تكن متوقعه لدى طرفي العقد قد صادفت تنفيذ الأعمال الاضافيه التي قامت الإدارة بإسنادها إلى المطعون ضده ،خارج نطاق العقد ، وان تلك الصعوبات غير عاديه ، وترجع إلى طبيعة الأرض والاتربه ، وانه ما كان بإمكان طرفي العقد توقعها ، وهو ما يفيد توفر شروط انطباق نظريه الصعوبات الماد يه غير المتوقعة ، بما يتعين معه تعويض المقاول بالتكاليف التي تحملها باعتبار أن الأسعار المتفق عليها في العقد لا تسرى ألا على الأعمال العادية المتوقعة . وإذا ذهب الحكم المطعون عليه هذا المذهب ، حيث قضى بإلزام الإدارة بجميع الأعباء والتكاليف التي تحملها المطعون ضده عند تنفيذ الأعمال الإضافية ، بما يجاوز نسبه 25% من الأعمال الأصلية ، فانه يكون قد صادف حكم القانون وجديرا بالتأييد." . ( ) الفصل الخامس نهاية العقود الإدارية تنتهي العقود الإدارية بالطرق الطبيعية لانتهاء العقود في ظل القانون الخاص، أما بتنفيذ الالتزامات الناشئة عنها، أو بانقضاء مدتها وقد تنتهي العقود الإدارية نهاية طبيعية أو مبتسرة قبل أجلها الطبيعي. وسنتناول في هذا الفصل هاتين الطريقتين لانتهاء العقود الإدارية في مبحثين ، نخصص الأول للبحث في انقضاء العقود الإدارية بالطريق العادي، ونبين في المبحث الثاني حالات الانقضاء المبتسر . المبحث الأول الانقضاء العادي للعقد الإداري ينقضي العقد الإداري مثلما هو الحال في عقود القانون الخاص بتنفيذ موضوعه أو بانتهاء المدة المحددة له: أولاً – انقضاء العقد بتنفيذ الالتزامات المترتبة على طرفيه تنفيذاً كاملاً : يينقضي عقد الأشغال العامة بتنفيذ تلك الأشغال واستلام المتعاقد الثمن، كذلك ينتهي عقد التوريد بإتمام تسليم البضائع محل التوريد واستلام المتعاقد الثمن من الإدارة . ثانياً : انقضاء العقد الإداري بانتهاء المدة المحددة له: متى كان العقد محدد المدة فإن انتهاء هذه المدة يستتبع انتهاء العقد، مثلما هو الحال في عقود الالتزام. وهذه هي القاعدة بالنسبة للعقود فورية التنفيذ . المبحث الثاني الانقضاء المبتسر للعقد الإداري بالإضافة إلى الانقضاء العادي للعقد الإداري، من الجائز أن ينقضي العقد نهاية مبتسرة قبل أوانه في حالات معينة . أولاً: الفسخ باتفاق الطرفين: قد يتفق المتعاقد مع جهة الإدارة على إنهاء العقد قبل مدته أو أتمام تنفيذه، ويكون الإنهاء في هذه الحالة اتفاقنا يستند إلى رضا الطرفين وتطبق على الفسخ هذا أحكام الإقالة في عقود القانون الخاص . وقد يكون إنهاء العقد بهذه الطريقة مصحوبا بالتعويض عما فات المتعاقد من كسب نتيجة لإنهاء العقد قبل أوانه،إذا ما اتفق المتعاقدان على ذلك. ثانياً : الفسخ بقوة القانون: ينقضي العقد بقوة القانون في حالات معينة تطبيقاً للقواعد العامة ومنها : 1- هلاك محل العقد: ينقضي العقد بقوة في حالة هلاك محله، إلا أنه يجب التمييز بين ما إذا كان الهلاك بسبب خارج عن إرادة الطرفين وبين ما إذا كان الهلاك بسبب راجع للإدارة ففي الحالة الأولى ينقضي العقد دون أن يتحمل أي من الطرفين تعويضاً بسبب الإنهاء . أما في حالة الثانية فإن الإدارة تعوض المتعاقد عن هذا الإنهاء المبتسر الذي تسببت فيه للعقد، إلا إذا كان هلاك محل التعاقد تنفيذاً لإجراء عام كهدم دور آيلة للسقوط كان المتعاقد ملتزماً بصيانتها، إذا توافرت شروط نظرية عمل الأمير. 2- إذا تحققت شروط معينة منصوص عليها في العقد ويتم الاتفاق على أن العقد يعد مفسوخاً من تلقاء نفسه في حالة تحققها فينقضي العقد اعتباراً من هذا التاريخ. 3-إذا تحققت أسباب معينة منصوص عليها في القوانيين واللوائح فعندئذ يتم أنفساخ العقد من تاريخ تحققها . ثالثاً: الفسخ القضائي : قد يتقرر فسخ العقد الإداري بحكم قضائي بناء على طلب الإدارة أو المتعاقد معها في حالات معينة. أ- الفسخ القضائي بسبب القوة القاهرة: تؤدي القوة القاهرة إلى إعفاء المتعاقد من تنفيذ التزاماته إذا ما ثبت أن تحققها بسبب أجنبي لا دخل فيه ولم يكن في وسعه توقعه . ويتبين من نص هاتين المادتين أنه إذا ما تحققت القوة القاهرة فإن العقد يعد مفسوخا من تلقاء نفسه ولا تستطيع الإدارة أن ترغم المتعاقد على التنفيذ،وإذا التجأ المتعاقد إلى القضاء للحصول على حكم بأن استحالة التنفيذ ترجع إلى سبب أجنبي فأن الحكم في هذه الحالة يقرر الفسخ ولا ينشئه.( ) ومع ذلك فقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي معززاً رأيه ببعض أحكام مجلس الدولة إلى أنه يتعين على المتعاقد أن يلجأ إلى القضاء للحصول على حكم بانفساخ العقد للقوة القاهرة في حين تستطيع الإدارة إنهاء العقد بقرار منها استناداً منها إلى القوة القاهرة ويكون الفسخ هنا فسخاً إدارياً .(( 2- الفسخ القضائي كجزاء للإخلال بالالتزامات العقدية : أن حق الفسخ بحكم قضائي بناء على طلب الإدارة أو المتعاقد، لإخلال الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته مضمون للطرفين ما دامت الإدارة تملك حق فسخ العقد بقرار إداري استناداً إلى خطأ المتعاقد في تنفيذ التزاماته العقدية، فلا تلجأ إلى القضاء لتقرير الفسخ إلا لكي تضمن عدم رجوع المتعاقد عليها بالتعويض إذا تبين أن قرارها بالفسخ مشوباً بالتعسف . باستثناء حالة طلب إسقاط الالتزام في فرنسا، إذ أن القضاء الفرنسي مستقر على أنه لا يجوز أن يتم الفسخ إلا بحكم قضائي . أما بالنسبة للمتعاقد فلا بد له من اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بفسخ العقد إذا أخلت الإدارة بالتزاماتها إخلالاً جسمياً، وإذا حكم القضاء بذلك فأن آثار الفسخ ترتد إلى يوم رفع الدعوى . 3- الفسخ في مقابل حق الإدارة في تعديل العقد : تملك الإدارة كما بيناً سلطة تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة بما يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام ، ويملك المتعاقد في مقابل هذا الحق المطالبة بالتعويض. وإذا وجد المتعاقد أن التعويض غير كاف لمواجهة الظروف التي أوجدها التعديل، وأن التعديل تجاوز إمكانياته المالية وقدراته الفنية وتسبب في قلب اقتصاديات العقد. فإن للمتعاقد الحق في المطالبة بفسخ العقد قضاء مع التعويض، لإن مرجع الفسخ في هذه الحالة هو تصـرف الإدارة دائماً . رابعاً : الفسخ عن طريق الإدارة : تملك الإدارة في بعض الحالات التي ينص عليها في العقد أو في دفاتر الشوط العامة أو لائحة العقود الإدارية أن تفسخ عقودها الإدارية، دون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء. كذلك إذا كان العقد مبرماً مع أكثر من متعاقد وتوفي أحد هؤلاء المتعاقدين فتملك الإدارة الخيار بين إنهاء العقد مع رد التأمين وبين تكليف باقي المتعاقدين بالاستمرار في تنفيذه. ويتم إنهاء العقد في هاتين الحالتين بخطاب مسجل دون الحاجة إلى الالتجاء إلى القضاء أو اتخاذ أي إجراءات أخرى . ومن جانب أخر للإدارة أن تنهي عقودها الإدارية دون الحاجة لنص في قانون أو الائحة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك دون وقوع خطأ من جانب التعاقد، مع تعويضه عن ذلك عند الاقتضاء. وسبق وأن أوضحنا الضوابط الواجب مراعاتها عند إنهاء الإدارة لعقودها للمصلحة العامة . ثلاثة خطوات لتحقيق النجاح: 1- كن أعلم من غيرك 2- أعمل أكثر من الآخرين 3- توقع أقل مما يحصل عليه الآخرون

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.