Shared by Fahd bin Abdul Aziz (@King_Fahd_KSA) 6 years ago

TwitMail followers: 0, following: 0

5,999 views

الملك فهد و إيران ... قصة صواريخ الردع الأستراتيجية - رياح الشرق

رياحُ الشرق http://www.youtube.com/watch?v=OYUIvzGC7vE طرق سَمْعَ العالم نبأ حصول المملكة على صواريخ إستراتيجية أرض-أرض، متوسطة المدى من جمهورية الصين الشعبية في شهر مارس عام 1988. وأرجّح أن صحيفة واشنطن بوست كان لها قصب السبق في نشْر الخبر، سرعان ما تبعتها بعد ذلك عدة صحف أخرى شهيرة. كما نشرت الخبر أيضاً بعض المجلات المتخصصة، مثل فلايت إنترناشونال وجينز ديفينس ويكلي. وتعالت صيحات الاحتجاج من كل حدب وصوب، حتى إن تشارلز ردمان charls e redman المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، صرّح بأن "حصول المملكة على تلك الصواريخ لا يخدم قضايا السلام والاستقرار في المنطقة". بينما قال كلايبورن بيل claiborne pell ( ممثل ولاية رود أيلاند island rhode عن الحزب الديموقراطي ) رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي: "إن الصواريخ تشكل تهديداً لإسرائيل". وفي الواقع، اتَّهَمَنا أصدقاء إسرائيل، في الولايات المتحدة، بالحصول على أسلحة هجومية وبقلب ميزان القوى في الشرق الأوسط. ولم يكن الاتهام جديداً، فقد صدر عنهم الاتهام نفسه من قبل في الحملات التي شُنَّت علينا حين حصلنا على طائرات f-15وطائرات الإنذار المبكر أواكس. وأخذ يوسي بن أهارون yosi ben aharoon، أحد مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير yitzhak shamir، يهدد ويتوعد بأن إسرائيل قد تنفّذ ضربة وقائية ضد صواريخنا. ويا للعجب إنهم يُحَرِّمون على الآخرين ما يحِلِّون لأنفسهم! فلإسرائيل، وحدها، الحق في امتلاك القدرة على تهديد العالم العربي بأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها! أمّا نحن، العرب، فليس لنا الحق في امتلاك أي قدرة على الرد أو الردع. تصاعدت حدة الضجة الدبلوماسية، ونجم عنها استدعاء السفير الأمريكي لدى المملكة إلى واشنطن بعد ما أثار غضب الملك فهد باحتجاجاته المتكررة المزعجة على صفقة الصواريخ الصينية. ومع أن الصواريخ الصينية اجتذبت اهتمام وسائل الإعلام في حينه، إلاّ أن تفاصيل القصة ظلّت طيّ الكتمان. ولَمّا كان الموضوع يمس الأمن الوطني، فسيجد القارئ العذر لاكتفائي برواية القصة على نحو مقتضب. وأجد لزاماً عليَّ أن أذكر للحقيقة والتاريخ، أن فكرة الحصول على تلك الصواريخ لم تكن فكرة القادة العسكريين، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل هي فكرة الملك فهد نفسه. فهو الذي اتخذ القرار بضرورة الحصول على سلاح قوي لردع أي عدو محتمل تسوّل له نفسه شنّ هجوم على المملكة. وعلى الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية لنا مع الصين آنذاك، إلاّ أن الملك أوفد أخي بندراً، سفيرنا الناجح لدى واشنطن إلى بكين حاملاً رسالة إلى المسؤولين الصينيين، يستفسر فيها عن مدى استعدادهم لتزويدنا بصواريخ "رياح الشرق". وبعد فترة قصيرة، أبلغ الصينيون أخي بندراً موافقتهم، من حيث المبدأ، على عقد الصفقة. لقد أتم بندر مهمته بنجاح، ومهّد الطريق للمهمة التي كان عليَّ إتمامها. يُعَدّ الحصول على الصواريخ الإستراتيجية، نقطة تحوّل في الإستراتيجية الدفاعية للمملكة، ويندرج ضمن انتشار أنظمة الصواريخ الذي شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة. ويعكس إنشاء هذه القوة، إضافة إلى دعمها للدفاعات السعودية، المسؤوليات المتزايدة التي تضطلع بها المملكة في منطقة الشرق الأوسط، وفي العالم الإسلامي، وعلى الصعيد العالمي بوجه عام. أرسلت الصين عقب الاتصالات الأولى، اللواء كاو جانج تشوان cao gangchoan، نائب رئيس هيئة الأركان العامة لجيش التحرير الشعبي، إلى المملكة لمناقشة تفاصيل المشروع. وحفاظاً على السرّية، فقد اتُّخِذت الترتيبات ليصل اللواء تشوان والوفد المرافق له إلى إحدى القواعد الجوية، ويعقد اجتماعاته إلى ممثلينا أثناء الليل. لم أكن عضواً في وفد المفاوضات في تلك المرحلة المبكرة. ولكن بعد عدة جولات من المفاوضات المبدئية، أبلغني الأمير سلطان أن الملك وافق على أن يعهد إليَّ بمسؤولية المفاوضات. وبناءً على ذلك، تشكلت لجنة مشتركة برئاستي عن الجانب السعودي، ورئاسة اللواء تشوان عن الجانب الصيني. وبعد أسبوع من المفاوضات المكثفة التي استمرت من 16 إلى 23 ديسمبر عام 1986، وامتد بعض جلساتها حتى الرابعة صباحاً، وضعنا مسودة للخطوط العريضة للمشروع. وأعتقد أن الأمير سلطان هو الذي أشار على الملك فهد بتعييني في ذلك الموقع، نظراً إلى ما اكتسبته من خبرات سابقة بالتفاوض في شأن صفقات الأسلحة مع البلدان والشركات الأجنبية، إلى جانب ما لديّ من المعرفة الفنية والمهنية بحكـم عملي في قوات الدفاع الجوي ولأن الصواريـخ تُعد مجال اختصاصي. اتخذ الملك فهد، بعد ذلك، قراراً آخر بناءً على توصية لجنة الضباط العليا وموافقةالأمير سلطان بأن تسند إليّ قيادة مشروع قوة الصواريخ الإستراتيجية. كانت توجيهات الملك تقضي بضرورة الحصول على الصواريخ ( المعروفة في الصين باسم df-3a وفي الغرب باسم css-2 ) في أقرب وقت ممكن، وأن تتم الصفقة بسرِّية تامة. لذلك، لم تكن مهمتي سهلة أو ميسورة، إذ تشمل جوانب متعددة ومسؤوليات مختلفة. منها على سبيل المثال: التفاوض في شأن الصفقة، وإعداد خطة خداع، وانتقاء فريق من الضباط والأفراد السعوديين، واتخاذ الترتيبات اللازمة لتدريبهم في الصين والمملكة، وبناء قواعد الإطلاق ومرافق التخزين في مختلف أنحاء المملكة والدفاع عنها، وترتيب عملية شحن الصواريخ من الصين والاستعداد التام في كل مرحلة للدفاع عن المشروع ضد أعمال التخريب أو أيّة أعمال عدائية أخرى. ولأن جدي الملك عبدالعزيز، كان يلقب بـ "صقر الجزيرة"، فقد وقع اختياري على كلمة "صقر" لتكون الاسم السري ( الاسم الكودي ) لهذا المشروع، الذي أصبح شغلي الشاغل خلال السنوات الأخيرة من الثمانينات. كان المقدم عبدالله محمد السويلم في تلك الفترة ساعدي الأيمن، ومعاوني الذي أثق به منذ أن توليت قيادة قوات الدفاع الجوي. وترجع معرفتي به إلى أيام الطفولة، إذ كان والده أحد رجالالملك فهد. وظل عبدالله السويلم يلازمني في كل رحلاتي التي قمت بها أثناء تنفيذ المشروع الصيني، يدوّن الملاحظات ويكتب التقارير بخط يده، على الرغم من أن بعضاً منها كان يصل إلى مائة صفحة أحياناً. قمت بأربع رحلات إلى الصين كانت الأولى في فبراير عام 1987. لم أكن أسافر من المملكة إلى الصين مباشرة، بل من طريق بلد آسيوي آخر صرفاً للأنظار. فعلى سبيل المثال، اتخذتُ الترتيبات في رحلتي الأولى لكي أقوم بزيارة رسمية إلى ماليزيا قبل أن أتوجَّه إلى الصين وأشار عليَّ بعض مرافقيّ بالسفر تحت اسم مستعار، ولكني شعرت بأن من الغباء أن أحاول التخفِّي. فلو أنكشف أمري، لأثار ذلك المزيد من الشكوك. وقررت أن أدَع الأمور تسير بشكل طبيعي. فسافرت إلى الصين في طائرتي الخاصة، وسَرّبت حول سفري قصة مفادها أنني جئت سعيا وراء إقناع الصينيين بعدم بيع الأسلحة إلى إيران، التي كانت مشتبكة مع العراق في حرب ضروس آنذاك، وأني كذلك في صدد شراء بعض الأسلحة الخفيفة من الصين كانت خدعة بسيطة ولكنها فعالة في الوقت نفسه، إذ حققت الغرض المرجوّ منها. وفي الزيارة الثانية، قررت التوقف في هونج كونج ولكـن الأمر اقتضى حصول وفدنا على تأشيرات للدخـول من السفارة البريطانية في الرياض. وقبيل مغادرتي المملكة، حضرت مأدبة غداء على شرف وزير بريطاني زائر، وابتسمت، في قرارة نفسي، حين تمنّى لي السفير البريطاني عملية تَسوّق جيدة. وكان من الواضح أنه يلمّح إلى سفري إلى الصين التقيت في هونج كونج مصادفة، سمو أمير البحرين فسألني مستفسراً عن سبب زيارتي، فأجبته بأنني أقضي إجازتي هناك. ولا أعتقد أنه صدَّق ذلك، ولا سيما أنه رأى في رفقتي ذلك العدد الكبير من الضباط السعوديين. وعلى كل حال، فإن لباقته المعهودة حالت دون استرساله في السؤال. لم تخلُ مفاوضاتنا مع الصينيين من بعض المفارقات، فقد حدث مرة أن حضر مبعوثان من الصين لمقابلتي في هونج كونج واتفقنا على الاجتماع في جناح الفندق الذي كنت مقيماً فيه. ووصل المبعوثان إلى الفندق بعد أن سلكا طريقاً غير مباشرة. وعلى الرغم من حديثنا الهامس، فإني توخِّياً للحذر أمرت بتفتيش جميع الغرف خشيةً من وجود أجهزة للتنصت. لكنّ المبعوثَين الصّينيّين ذهبا أبعد من ذلك، إذ لاحظت عند وصولهما الفندق أنهما يحملان مظلتين ثقيلتين، مع أن الجو كان صحواً. واشتدت دهشتي حين فتح أحدهما مظلته فوق رأسي قبل أن أبدأ بقراءة وثيقة سلّمني إياها زميله. كانت المظلة مبطنة بما يشبه رقائق الألومنيوم، والهدف منها حماية الوثيقة من أية عيون "إلكترونية" متلصصة. لكني لم أرغب في الاسترسال معهما في تلك التمثيلية الصامتة، فطويت الوثيقة وقرأتها بعد ذلك في غرفة نومي تحت أغطية السرير. كنت أحتاج أثناء رحلاتي إلى الاتصال بالأمير سلطان في الرياض بين الحين والآخر. ولكن كيف لذلك أن يتم دون التعرض لخطر التنصت على مكالماتي؟ فاهتديت إلى حيلة بسيطة، فكنت أخرج من الفندق في هونج كونج حيث أقيم، لأتجول قليلاً في المدينة، ثم أدلف مسرعاً إلى فندق آخر فأحجز غرفة فيه، وبعد أن أفرغ من جميع اتصالاتي مع المملكة مستخدماً خطاً مفتوحاً وكلمات مشفَّرة، أُغادر الفندق على الفور. كان اتصالي المباشر في الصين مع يانج شانج كون yang shangkun، عضو المكتب السياسي وأمانة الحزب الشيوعي والنائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهي هيئة عليا يتولى رئاستها دنج سياوبنج deng xiaoping نفسه. ويانج شانج كون رجل لا يكفّ عن التدخين، ويتمتع بذاكرة قوية ودقيقة، وكان المسؤول آنذاك عن الإشراف على مبيعات الأسلحة إلى الدول الأجنبية. وقد تولى منصب رئاسة جمهورية الصين عام 1988. بذلنا، في المملكة، قصارى جهدنا للحفاظ على سرية زيارات الوفد الصيني والمفاوضات معه. وكذلك، فعل الصينيون في بكين حين حافظوا على سرّية وجودي هناك. ومع أنهم خصصوا لي مسكناً جميلاً ( وهو عبارة عن فيلاّ، قيل لي إن وزير الخارجية الأمريكي شغلها بعد مغادرتي ) إلاّ أنهم لم يسمحوا لي قط بالتجول سيراً على الأقدام. كنت أتنقل في السيارة لحضور كل اجتماعاتي، حتى إن كان المكان على مقربة من السكن. حرص الصينيون، مثلنا على الأقل، على إبقاء المشروع بكامله طي الكتمان. ومع تقدم محادثاتنا، رَتَّب لي يانج شانج كون برنامجاً لزيارة إحدى قواعد الصواريخ. كان هدف الزيارة مشاهدة الصاروخ df-3a المسلح برأس نووي، الذي يندفع بقوة محرك صاروخي يعمل بالوقود السائل، في وضع الاستعداد ( العملياتي ). وقيل لي إنني أول أجنبي يحظى بهذا التكريم، وهذا ما أثبتته نظرات الدهشة والاستغراب التي ارتسمت على وجوه الضباط والجنود العاملين في تلك القاعدة. ولاحظت أنه إلى جانب الواجبات والمهام العسكرية التي يؤديها الجنود الصينيون على أكمل وجه، كانوا كذلك يزرعون ويحصدون ويربون الماشية. كان ذلك هو أسلوبهم في جميع القواعد العسكرية. وخلاصة القول، إن الجنود يعولون أنفسهم بأنفسهم والوحدات لديها اكتفاء ذاتي. أتاحت لي تلك الزيارة فرصة التعرف بالصينيين وأسلوبهم في التفاوض. كانوا قمة في الإخلاص ومثالاً في الوطنية، يبذلون كل جهدهم في سبيل بلدهم. فقبل حضورهم كل جلسة، يُعدّون أنفسهم كلَّ الإعداد للإجابة عن أدق التفاصيل التي قد يُسألون عنها. كانوا لا يدَعون شيئاً للمصادفة. ولا يعرفون الكلل أو الملل، مهْما طالت المحادثات، ويمكنهم المضيّ فيها ساعاتٍ طويلة متواصلة. هذا فضلاً عن تمتعهم بدرجه عالية من الانضباط، فلم يكن أي عضو منهم في فريق المفاوضات ليستطيع أن يتفوه بكلمة قبل أن يسمح رئيس الفريق له بالتحدث. وينحصر حديثه، غالباً، في مجال اختصاصه فقط. والحقيقة أن الصينيين مدربون تدريباً عالياً، فمن الصعب العثور على نقاط ضعف في أسلوب عرضهـم، أو الإحساس بالنقاط التي سيُبدُون مرونة في شأنها. وقد أثبت الصينيون أنهم مفاوضون متمرسون، كانوا لا يسلّمون بأية نقطة أو يتنازلون عنها إلاّ إذا اقتنعوا تماماً بالتزامنا بموقفنا التزاماً كاملاً. وكانت الورقة الرئيسية الرابحة في يدي هي حماستهم الواضحة ليتم الدفع نقداً. واستفدت من هذه الورقة إلى حدٍّ بعيد. وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن الصينيين، الذين تعاملت معهم، يتمتعون بالحكمة ويعرفون ما يريدون ويخططون تبعاً لذلك. وأعتقد أن كلاًّ منّا كسب احترام الآخر وثقته. كانت الصفقة، التي وقعنا عقدها في نهاية الأمر، تخدم مصلحة الطرفين ومهدت الطريق، كما سأروي بعد ذلك، أمام الاعتراف السياسي المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والمملكة. حافظنا، خلال السنوات التالية، على علاقات طيبة مع الصين وهي علاقات مبنية لدى الطرفين على التقدير الراسخ والواقعي لميزات الطرف الآخر وتراثه. فالصين تتمتع بثروة بشرية هائلة، وتبرز قوةً اقتصادية رئيسية، ونحن بدورنا قوة نفطية ومالية مهمة. وكلانا من الدول الآسيوية التي لها دورها ومكانتها في القارة. فإن كانت الصين تُعد نفسها زعيمة العالم الثالث، فنحن نحتل، بالمثل، مركزاً مهماً في العالم الإسلامي، ونحرص على استخدام نفوذنا لتحقيق الاستقرار في الساحتين العربية والدولية. وكلانا من الدول الموقعة على المبادئ الخمسة الشهيرة للتعايش السلمي، التي انبثقت للمرة الأولى من مؤتمر باندونج عام 1955. تلك المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول ذات الأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة. ويمكن تلخيصها في الآتي:* احترام كل دولة لسياسة الدولة الأخرى وسلامة أراضيها. * التزام كل دولة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. * التزام كل دولة بالتعامل مع الدول الأخرى على قدم المساواة. * التزام كل دولة بالحفاظ على السلام العالمي. * التزام كل دولة بالتعايش السلمي. وهذه المبادئ جميعها مبادئ سامية تستحق الإعجاب. ولكنها، وللأسف، تتعرض للانتهاك أكثر مما تحظى بالالتزام. بعد تقاعدي من القوات المسلحة عقب حرب الخليج، زارني وفد صيني في الرياض. وتأثرت بالغ التأثر عندما قالوا لي: "إننا لنذكرك دوماً. فنحن نكنُّ لك من التقدير مثلما نُكنُّ للدكتور هنري كيسنجر "dr.henery kissinger ومما يذكر، في هذا المقام، أن الدكتور كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي في حكومة الرئيس نيكسون في السبعينات، هو الذي أجرى المفاوضات التي انتهت بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، بعد قطيعة دامت عشرين عاماً. ومع اختلاف الظروف والمخاطر اختلافاً جذرياً في الحالتين، إلاّ أنني أحسست بالسعادة والفخر، لأنني أسهمت بدورٍ في تدعيم العلاقات بين بلدي والصين . ولا بد لي أن أتطرق، في هذا المقام، إلى الحديث عن الدوافع الكامنة وراء قرار الملك فهد بالحصول على الصواريخ الإستراتيجية الصينية. كان الهدف من الصفقة، دون الدخول في التفاصيل، جعْل المملكة قادرة على الرد المضاد عند تعرضها لهجوم من إسرائيل أو إيران في ذلك الوقت. ومنذ عام 1973، بل منذ حرب 1967، وإسرائيل تحاول فرض إرادتها على المنطقة بكاملها. فتمارس تارة الضغط الوحشي على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وتارة أخرى تنفذ الاعتداءات على الدول العربية. ومن أبرز هذه الاعتداءات غزو لبنان عامي 1978 و 1982 ثم الغارات التي شنتها على بيروت و تونس وبغداد. ولا يخفى على أحد أن إسرائيل تمتلك الأسلحة النووية، بالإضافة إلى الطائرات البعيدة المدى والصواريخ الباليستية، مثل صاروخ جيركو، التي يمكنها حمل الرؤوس النووية. كما أنها طورت الأقمار الصناعية العسكرية بهدف زيادة قدرتها على جمع المعلومات وتحديد الأهداف داخل العالم العربي. وعلى الرغم من تفوق إسرائيل العسكري الواضح، فإنها تتباكى وتقيم الدنيا ولا تقعدها كلما حاولنا تحديث أجهزتنا الدفاعية بالحصول على أسلحة متطورة من الغرب. وفي مثل هذه الأجواء المملوءة بالمتناقضات، فإن المحافظة على أمننا واحترامنا لأنفسنا يفرضان علينا ضرورة اقتناء، الحد الأدنى على الأقل، قوة قادرة على ردْع أيّ عدوان قد نواجهه. وهذا، في تقديري، أحد الأسباب التي دفعت الملك فهداً إلى اتخاذ قراره بالحصول على الصواريخ الصينية. أمّا السبب الآخر وراء ذلك القرار، فيرجع إلى التهديد الذي كنّا نواجهه من جانب الثورة الإيرانية. فبعد أن أطاح الثوار بالشاه بدأوا في شن حملة إعلامية معادية على المملكة. وحاول قادة الثورة الإيرانية الانتقاص من مكانتنا في العالم الإسلامي، والتقليل من شأننا بصفتنا حماةً للأراضي المقدسة. وصمّوا آذانهم عن مبادرات الملك فهد الرامية إلى إقامة علاقات ودية معهم. واشتدت حدة الخطر، لا سيما بعد اندلاع الحرب بين العراق وإيران عام 1980 كان واضحاً، منذ البداية، أن هذه الحرب تحمل في طياتها خطراً يهدد بتورط دول أخرى من دول الخليج في هذا الصراع. ولم تكن المملكة مستثناة من ذلك الخطر. وخلال السنوات الثماني للحرب، لم يألُ الملك فهد، جهداً في محاولاته إقناع العراق وإيران أو حَمْلَهما على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، إلاّ أن إيران تجاهلت نداءاته تماماً، إذ كانت واثقة من النصر في النهاية. وأظن أن كثيراً من المحللين والمراقبين يوافقونني على أن إيران أضاعت من يدها فرصة تاريخية لتحقيق السلام عام 1982 . فخلال مؤتمر القمة العربي الذي عقد في المملكة المغربيةفي سبتمبر من ذلك العام، اقترح الملك فهد تسوية سلمية للحرب تقوم على انسحاب العراق انسحاباً كاملاً من الأراضي الإيرانية وحصول إيران على تعويضات مالية تدفعها دول الخليج العربي، إلاّ أن إيران رفضت ذلك الاقتراح، في الوقت الذي قَبِل به العراق ونعرف، جميعاً، كيف قامت إيران في عام 1982 وعام 1983 بشن هجمات على العراق مستخدمة الموجات البشرية في محاولة منها للاستيلاء على ميناء البصرة الجنوبي، وقطع الطريق بينالبصرة وبغداد ومن ثَم تهديد بغداد نفسها. وقد لقي عشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين حتفهم في تلك الهجمات التي باءت بالفشل. وفي شهرفبراير من عام 1984، شنّت إيران هجوماً آخر، واستولت، هذه المرة، على جزر مجنون في منطقة الأهوار الجنوبية لنهر الفرات. واقترح العراق بعد هذا الهجوم، وقف إطلاق النار، لكن إيران رفضت هذا الاقتراح أيضاً. بدأت إيران، بعد ذلك، بشنّ ما عُرف بـ "حرب الناقلات". فهاجمت ناقلات النفط السعودية والكويتية في الخليج، مدعية أن تلك الهجمات جاءت رداً على مهاجمة العراق لناقلاتها. وتبعت تلك الهجمات على ناقلاتنا تهديدات شفوية بقصف الموانئ وأنابيب النفط والمنشآت النفطية السعودية، التي تشكل عصب الحياة في المملكة. وكنّا على يقين من أن مصافي النفط وآباره التي تقع على مقربة من منطقة القتال، وكذلك محطات تحلية المياه في المنطقة الشرقية، كانت عرضة للهجمات الجوية الإيرانية، ولم يكن الدفاع عنها أمراً سهلاً. وفي الخامس من يونيه عام 1984، وقع حادث خطير، حين عبرت طائرة إيرانية من نوع f-4 "خط فهد" ( وهو خط تم تحديده عبر الخليج أثناء الحرب العراقية - الإيرانية لزيادة زمن رد الفعل السعودي عند أية محاولة لانتهاك مجال المملكة ). وُيعَدّ هذا العبور انتهاكاً لمجالنا الجوي. وتجاهلت تلك الطائرة إنذارين بالعودة، على الرغم من أننا أخبرنا الإيرانيين من قبل بأننا سنعترض كل طائرة تعبر "خط فهد". فاشتبكت إحدى نا من نوع f-15 مع الطائرة الإيرانية وأسقطتها. وفي ذلك الوقت بالتحديد، كنت أحلّق في طائرة عمودية فوق مدينة الجبيل، وسمعت الطيار الإيراني وهو يتحدث مع قاعدته قبل إصابته بثوان. وفي محاولة لاختبار قوة الإرادة، أرسل كل طرف المزيد من طائراته المتحفزة للاشتباك، وبدا كما لو أن معركة جوية كبيرة توشك أن تقع لا محالة. ولكن السلطات الإيرانية، ولحسن الحظ، أمرت جميع طائراتها بالعودة إلى قواعدها قبل أن يستفحل الأمر. قامت إيران والعراق بعد ذلك بأشهر قليلة، في عام 1985، بتوسيع نطاق الحرب بينهما، حين أطلق كل جانب عشرات الصواريخ على المراكز المأهولة بالسكان في الجانب الآخر، وعُرِفَ ذلك القصف بـ "حرب المدن". وفي شهر مايو من تلك السنة، نجا أمير الكويت من الموت بأعجوبة حين تعرّض موكبه في الكويت لهجوم انتحاري بالقنابل شنّته إحدى المجموعات الموالية لإيران. وقد قام الملك فهد، بسبب هذه التطورات، بتجديد مساعيه الدبلوماسية، مرة أخرى، لإحلال السلام. فأرسل الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية، إلى طهران حاملاً عرضاً جديداً من العراق بوقف إطلاق النار. ولكن الإيرانيين رفضوا الاستجابة لهذه المبادرة أيضاً. أصبح تصعيد الصراع في المنطقة، بما جَدّ من أحداث، يشكِّل تهديداً حقيقياً لأمن المملكة. وكان السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي طبيعة وأسلوب هذا التهديد المنتظر؟ وبعد دراسة دقيقة لقدرات إيران، توصلنا إلى نتيجة استبعدنا فيها أن تشنّ إيران هجوماً برياً على المملكة. فمثل ذلك الهجوم يعني أن تجتاز إيران جنوب العراق والكويت، أو تشنّ هجوماً برمائياً ضخماً عبر الخليج. وهذا أمر يحتاج إلى جهود إدارية جبارة ويعرّض خطوط إمداداتها لخطر محقَّق، فضلاً عن أن إيران ليس لها القدرة على القيام بمثل هذه المغامرة. ولَمّا كانت إيران متورطة في حرب على العراق أصبح من المستبعد أن تفكر في فتح جبهة ثانية. ومن ناحية أخرى، لم يكن لدى إيران الجرأة على شنّ هجوم على أراضينا، لأنها سوف تسيء بذلك إلى مشاعر العالم الإسلامي قاطبة. وبدا، في ضوء هذه الحقائق، أن الاحتمال الأكثر واقعية هو أن تشنّ إيران حملة استنزاف عسكرية واقتصادية على المملكة. وربما حاولت إلحاق الضرر باقتصادنا بتنفيذ ضربات جوية وبحرية وصاروخية ضد المنشآت الساحلية الحيوية، أو إرهابنا بأعمال تخريبية، من وقت إلى آخر. وأمام هذه المعطيات التي تمثلت في لجوء إيران إلى العنف والإصرار على مواصلة القتال، قرر الملك فهد، حسب اعتقادي، ضرورة حصولنا على سلاح يرفع الروح المعنوية للقوات المسلحة والشعب السعودي. سلاح رادع لا يستخدم أساساً إلاّ بعد استنفاد ما عداه. وعند استخدامه يكون قادراً على تحطيم معنويات العدو وتوجيه ضربة موجعة وحاسمة ضده. سلاح لا يمكن التشويش عليه أو اعتراضه. سلاح يجعل العدو يفكر غير مرة قبل أن يُقدم على شنّ هجوم علينا. كان التحدي هو العثور على دولة قادرة على تزويدنا بمثل هذا السلاح على عجَل ودون قيد أو شرط. واستقر رأي الملك على الصين وبموجب ذلك القرار، بدأت رحلاتي إلى بكين بعد ذلك بفترة وجيزة. بدأ تنفيذ المشروع بسرِّية تامّة في المملكة. كنت وضابطاً واحداً، هو المقدم عبدالله السويلم، نعمل في غرفة غير مسموح لأحد بدخولها. وبعد أن وضعنا الخطط المبدئية، انضم إلينا عددً آخر من الضباط، تم اختيارهم في تحفظ وتكتم شديدين، للعمل معنا في المشروع. ووقع اختياري على ضباط كنت أعرفهم معرفة شخصية، بحكم عملي معهم من قبل، بعد أن قمنا بإجراء تحريات دقيقة عن حياتهم العائلية والعسكرية. وفي بداية الأمر، كان العبء الأكبر من العمل يقع على عاتق عدد قليل منهم. وحتى لا تثار الشكوك حولهم، واصل هؤلاء الضباط عملهم المعتاد أثناء ساعات الدوام الرسمي. وكان كل ما يتعلق بمعاملات تعيينهم ونقلهم ومستحقاتهم وما إلى ذلك يتم في قوات الدفاع الجوي، التي كانوا يرتدون زيّها الرسمي. وعندما اتسع نشاط المشروع، اضطر الضباط إلى العمل في ورديات ( نوبات ) ليلية. وبما أنهم أقسموا على كتمان السر، فلم يكن في وسعهم التحدث عن عملهم الجديد أو عن أسباب تغيبهم ساعات طوالاً، حتى إلى أقرب الناس إليهم. ومن الطريف، أن كثيراً منهم تعرضوا لمتاعب أسريه نتيجة لذلك، فزوجاتهم كْن على قناعة تامة بأنهم قد أقدموا على زيجات جديدة. ولم أَسلم أنا نفسي من هذه الشائعات. عهِدتُ إلى صفوة من المهندسين العسكريين، برئاسة مهندس كفء هو المقدم عبد العزيز محمد النملة، بتصميم مواقع الإطلاق وأماكن التخزين، بينما نفذت الشركات السعودية الخاصة معظم الأعمال الإنشائية، بمساعدة الخبراء الفنيين الصينيين. كما اعتمدتُ في عمليات تفريغ الصواريخ والمواد المتفجرة والمعدات الخاصة بهما في موانئنا، على ضابط موثوق به هو الرائد سليمان عبدالله النملة، الذي أثبت براعة أثارت إعجاب الصينيين، فتبنوا طريقته في العمل بعد ذلك. وأسندت إلى المقدم علي الشعيبي مسئولية تنظيم العمليات المختلفة للمشروع في موانئنا البحرية وتأمينها ( قام بعمل مماثل لذلك خلال حرب الخليج كضابط اتصال مختص بالموانئ مع القوات الصديقة ). فساعدني على مسح الموانئ واختيار المراسي الصالحة والمستودعات المناسبة ووضع إجراءات الإخفاء والتمويه وابتكار أساليب خداع للتغلب على أية عمليات للمراقبة أو الاستطلاع. وحدث ذات مرة، عندما خشيت من أن تكون إحدى الشحنات هدفاً لعملية تخريب، أن أرسيت السفينة القادمة من الصين جوار ناقلة أمريكية، حتى إذا عنّ لأحد نسفها، كان عليه أن يفكر غير مرة قبل أن يقدم على مثل هذا العمل. وعلى الرغم من المحاولات التي بذلها الشعيبي لإبقائي بعيداً عن الميناء، فقد أمضيت الليل كله ساهراً ذات ليلة على الرصيف أراقب تفريغ الوقود السائل. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتداول فيها رجالنا مثل هذه المادة السريعة الاشتعال. وحرصت على أن أكون بينهم لأزرع الثقة في نفوسهم، ولكنني أعترف بأنني لم أكن أقل خوفاً منهم. لم يكن العمل في مواقع البناء خلواً من المخاطر. فذات مرة، وقع حادث قُطِعت فيه أُذن أحد العمال الصينيين، فَنُقِل جواً إلى المستشفى غائباً عن الوعي حيث تم إسعافه. لكن أُذنه المقطوعة كانت لا تزال مفقودة. فألحّ الأطباء في البحث عنها. فأرسلت، في تلك الليلة، قافلة من السيارات مضيئة أنوارها الأمامية وكشافاتها القوية لمسح الصحراء حول موقع البناء. وحدثت المعجزة، وعُثر على الأذن المقطوعة قبل أن تغطيها الرمال، ونقلت على جناح السرعة إلى المستشفى حيث أعيدت إلى مكانها بعملية جراحية ناجحة. ولم يمضِ وقت طويل حتى تماثل العامل للشفاء وعاد إلى ممارسة عمله، وكأن شيئا لم يكن. اقتضى الأمر إرسال عدد من الضباط والأفراد إلى الصين للتدريب على استخدام السلاح الجديد. وكان لا بد من مواصلة تدريبهم في المملكة لشهور بل سنين أخرى بعد انتهاء تلك الدورات فيالصين فأنشأنا مركز تدريب في الصحراء بعيداً عن الأنظار، ولم نكن نسمح للمتدربين بمغادرة المركز بعد وصولهم إليه. كنّا نسمح لهم بالاتصال بذويهم وعائلاتهم بين فترة وأخرى، لكن جميع المكالمات كانت تخضع للرقابة الصارمة لمنع تسرب أية معلومات عن أماكن عملهم. انتاب القلق وساورت الشكوك أسر هؤلاء المتدربين الذين اختفوا فجأة ولمدة طويلة. وكانت زوجات الضباط كثيراً ما يتصِلْن بي لمعرفة إن كان أزواجهن قد ذهبوا للقتال في أفغانستان. وذهبت الظنون ببعضهن أن أزواجهن قد لقوا حتفهم، ورجونني أن أُعْلِمَهنَّ رسمياً بوفاتهم كي يُعْلِنَّ الحداد عليهم بشكل رسمي، وهذا أمر من حقهن وواجبهن بمقتضى الشريعة الإسلامية. فكنت أقسم لهن بأن أزواجهن أحياء يرزقون، ومع هذا كان إقناعهن جدّ عصيب. وذات يوم، اندفع أحد ضباط الاستخبارات إلى مكتبي، وهو في حالة ذعر شديد، وأخبرني أن أحد الأفراد المتدربين، ويبلغ عمره ثمانية عشر عاماً، كشف لوالده، أثناء مكالمة هاتفية، عن مكان وجوده وعن طبيعة عمله. فأصدرت أوامري إلى الاستخبارات العسكرية باحتجاز الشاب في الحبس الانفرادي وإحضار والده إليّ على جناح السرعة. فلما أحضروه صباح الغد، وجدته رجلاً كبير السن وسبق أن خَدَمَ في الدفاع الجوي، وكان سعيداً لأن ابنه يخدم في القوات نفسها. ولَمّا كان الأب مسلماً تقياً، فقد حرص على أن يسلك ولده مسلكاً مستقيماً بعيداً عن رفاق السوء. ولذلك، عندما اتصل ابنه هاتفياً بعد غياب طويل أصرّ الوالد على معرفة مكانه ومعرفة ما يفعله. وأمام إلحاح الوالد، اعترف الشاب بمكان وجوده. وعندئذ استشاط الوالد غضباً، وقال لابنه: "إيّاك والكذب، ليس هناك أية معسكرات أو قواعد في تلك المنطقة. أخبرني بحقيقة أمرك". وهكذا وجد الشاب نفسه مضطراً إلى أن يشرح لوالده أنه في مهمة سرِّية تتعلق بالصواريخ. ولَمّا تأكد الوالد من صدق ابنه غمرته السعادة لأن ابنه اختير لمثل هذا العمل الحساس. وسألته مَن مِنْ أصدقائه وأقاربه عرفوا السر حتى الآن. فأقسم بأنه لم يخبر أحداً به. ووقعت في حَيرة من أمري. فلو عاد الرجل إلى قريته، فقد يكشف السر ويبوح به، كما لم يكن في وسعي احتجازه قسراً. لذلك، عَرَضْتُ عليه أن يُعيَّن إماماً لمسجد القاعدة براتب شهري جيد، فوافق على الفور وأرسل في طلب أسرته، وما زال هناك حتى اليوم. وكلما كنت أزور تلك المنطقة كان يهرع إلى استقبالي وتحيتي. وكان كثيراً ما يردد أن المكالمة الهاتفية التي تلقاها من ابنه، هي أسعد حدث مرَّ به في حياته. من بين الدروس الكثيرة التي تعلمتها من الأمير سلطان أنه عند إقامة أية منشأة أو مؤسسة عسكرية، ينبغي العمل على إفادة البيئة المحلية المحيطة بها. فعلى سبيل المثال، حين أنشأ الأمير سلطان المدن العسكرية، في خميس مشيط في الجنوب وتبوك في الشمال الغربي، بذل المستحيل ليضمن أن الوجود العسكري سيُسهم في رفع مستوى معيشة السكان المحليين. لذلك، عقدت العزم على أن أحذو حذوه عندما بدأنا بإقامة مركز تدريب آخر لقوة الصواريخ في السليّل، التي تبعد نحو 500 كيلومتر إلى الجنوب الغربي من الرياض على مشارف الربع الخالي. كانت السليّل منطقة غير متطورة إلى حدٍّ ما، وتعيش ظروفاً حياتيه قاسية. وقد تم تخصيص الاعتمادات المالية لبناء مساكن للضباط والأفراد ولتعبيد الطرق وإقامة مستشفى ومهبط للطائرات. وكان من المتوقع أن تستغرق عملية البناء والتطوير مدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. ولكني عملاً بفلسفة الأمير سلطان، أصدرت تعليماتي بألاّ نتعجل البناء، إذ كان في استطاعتنا توفير المال وتحقيق التطوير المنشود باستئجار ما ينوف على مائة مسكن من المساكن المشيدة في المنطقة. وأعطانا هذا الخيار المزيد من الوقت لإنشاء المباني الجديدة دون اللجوء إلى أسلوب بناء سريع باهظ النفقات. ونظراً إلى ما يحتاج إليه الأفراد من ملابس وأحذية ومستلزمات منزلية فضلاً عن الأشياء الأخرى، فقد أقنعت الكثير من التجار في الرياض بأن يشتركوا مع السكان المحليين في فتح متاجر لهم هناك، وقطعت لهم وعداً، في المقابل، بأن نشتري منهم كل ما نحتاج إليه. وشجع ذلك الأمر فرص الاستثمار في المنطقة، كما وفَّر الكثير من فرص العمل. وسررت حين وافق الأمير سلطان على اقتراحي ببناء مطار مدني هناك، كان سكان البلدة يطالبون به منذ عشرين عاماً، فساعد ذلك على إنعاش المنطقة كلها. كانت هناك مدرسة للتدريب المهني في السليل، تم إنشاؤها قبل بضع سنوات، ولم يستفد منها أحد. فطالبت بها القوات الجوية، التي كانت تنشئ قاعدة لها في المنطقة، ولكنني استطعت الحصول عليها وخصصتها لتدريب الضباط والأفراد، وجعلتها جاهزة للعمل في غضون ثلاثة أشهر. شُحنت الصواريخ والمعدات اللازمة من الصين إلى المملكة في سرِّيه تامة، ووُضعَت، في بادئ الأمر، في أماكن مؤقتة. ثم نُقلت، بعد ذلك، إلى أماكنها الدائمة. وكنّا دائماً على استعداد تام لمواجهة أي تهديد قد تتعرض له تلك الشحنات، سواء أَكانت في عرض البحر أم في الموانئ المختلفة التي كانت ترسو فيها السفن وهي في طريقها إلى المملكة. كنّا قادرين على حماية مواقع الإطلاق ومنشآت التخزين أثناء عمليات البناء في مختلف أنحاء المملكة، وتزويد قوة الصواريخ باتصالات مأمونة ( مشفرة )، وتدريب الضباط والأفراد في الصين وفي المملكة في آن وأحد على تشغيل الصواريخ وصيانتها. وبفضل عمليات التمويه ونشْر المواقع فوق مساحات شاسعة، أصبح من المتعذر على العدو أن يقضي بضربة واحدة على سلاحنا الرادع الجديد. وبطبيعة الحال، اقتضت ضرورة العمل أن أغيب عن أسرتي في الرياض لفترات طويلة من الزمن دون أن يعرفوا مكان وجودي. أمّا قوات الدفاع الجوي فلم تتأثر بغيابي؛ لأننا بنينا أنظمة متكاملة لإدارة شؤون الضباط والأفراد، والاستخبارات، والعمليات، والإمدادات والتموين، والاستعداد القتالي، والاتصالات الإلكترونية، والتدريب، والتفتيش، والرقابة المالية، وما شابه ذلك. وتستطيع هذه الأنظمة أن تعمل ذاتياً على أكمل وجه. سأظل أشعر على الدوام بالامتنان لزوجتي عبير؛ لِمَا أبدته، خلال تلك الفترة العصيبة، من تفهم يفوق الوصف. وعبير هي ابنة عمي الأمير تركـي بن عبد العزيز، وقد تزوجتها عام 1981، بعد عودتي من دراساتي العليا في الولايات المتحدة، وهي زوجة مثالية وأم نموذجية تتميز بالدقة والذوق الرّفيع في تنظيم شؤون المنزل وإدارته. ملأت حياتنا الزوجية بالسعادة والرضا، وأنعم الله علينا بخمسة أطفال هم: هالة و مشاعل و فهد و عبدالله و سلمان. وهؤلاء مع ولديّ من زواجي الأول، فيصل وسارة، هم مصدر سعادتي وفخري واعتزازي في الحياة. كنت أتلقى، أحياناً، مكالمات هاتفية من الضباط في أوقات متأخرة من الليل، وعندما تشعر زوجتي بحساسية المكالمة، تغادر الغرفة علي الفور وبلا تردد، وتظل خارجها مدة قد تطول إلى أكثر من نصف ساعة. وفي الواقع، إنها لم تعلم، إلاّ في وقت متأخر جداً، أنني كنت مسؤولاً عن مشروع الصواريخ. وحدث، ذات مرة في اجتماع عائلي، في اليوم الذي نشرت فيه وسائل الإعلام العالمية نبأ الصفقة الصينية، أن التفت إليها عمي الأمير سلمان، أمير منطقة الرياض، وسألها "كيف حال "أبو" الصواريخ؟".فأجابت بدهشة وحيرة: "أية صواريخ؟ من تعني بذلك؟". فقال: "أعني زوجك بالطبع". تعتمد فاعلية القدرة الرادعة على معرفة طرف بامتلاك الطرف الآخر لها في الوقت المناسب. فعندما أوشكت عملية تجهيز وحدات الصواريخ الإستراتيجية أن تنتهي، رفعتُ تحليلاً إلى القيادة العليا ذكرت فيه أنه إذا لم يُكتشَف أمر صفقة الصواريخ الصينية قبل نوفمبر 1988، فإن ذلك يُعَد في مصلحتنا، وإذا لم يُكتشف أمرها قبل فبراير1989، فإن ذلك أيضاً يخدم مصلحتنا إلى درجة أكبر. أما إذا لم يكتشف أمرها بحلول يونيه 1989 فعلينا عندئذٍ أن نسرِّب النبأ بأنفسنا، لأن الهدف من الحصول على السلاح لن يكون قد تحقق. ولحسن الحظ، لم يكن ثمة داع للقيام بذلك، لأن الأمريكيين أذاعوا الخبر قبلنا وفي الوقت المناسب لنا. لم نعرف، على وجه التحديد، متى اكتُشِف أمر صفقة الصواريخ. وكنت مندهشاً، لأن السر ظل طي الكتمان طوال هذه المدة، ولم يتسرب عنه شيء. وسَرَت شائعات مفادها أن الاستخبارات الأمريكية كانت تعرف بأمر المشروع الصيني في وقت مبكر، لكنها لم تشأ أن تثير ضجة قبل أوانها، وفضَّلت أن تلتزم الصمت حتى أوشك المشروع أن ينتهي. وتجنباً لخطر الوقوع في متاهات نحن في غنى عنها، فسأكتفي برواية هذه الحادثة الطريفة. يقال بينما كان قمر صناعي من أقمار التجسس الأمريكية يصور قاعدة صواريخ سرية صينية، لاحظ أحد المحللين الأمريكيين البارعين أن بعض الرجال الذين ظهروا في الصورة كانوا ملتحين. واللحية مظهر غير مألوف في الصين. وقُرِعت أجراس الإنذار في واشنطن فهل هؤلاء الملتحون هم إيرانيون؟ وتبيّن من عمليات الاستكشاف اللاحقة أنهم سعوديون يتدربون في الصين وهكذا كُشِفَ النقاب عن السر. وكما أسلفتُ، أثار الأمريكيون زوبعة كبيرة حول هذه الصفقة. وسرت شائعات مفادها أن خمس من رجال الاستخبارات المركزية الأمريكية طُردوا من العمل لإخفاقهم في كشف أمر الصفقة. وطَلَبت واشنطن السماح لها بتفتيش الصواريخ التي وصلت إلى المملكة، ولكننا رفضنا ذلك. وأكدنا للأمريكيين أن رؤوس الصواريـخ هي رؤوس تقليدية فقط. وعلى كـلٍّ، ولاعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية الأمريكية، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية من هيوم هورانhume horan، السفير الأمريكي لدى المملكة آنذاك، أن يقدم احتجاجاً إلى الملك فهد. وهوران هذا متخصص في الشؤون العربية، وأمضى ردحاً طويلاً من الزمن في العالم العربي، كما عمل في المملكة نائباً لرئيس البعثة الأمريكية. ولَمّا كانت الولايات المتحدة قد ساعدتنا من قبل على الحصول على أسلحة دفاعية، فقد شعرتْ بالاستياء، على ما يبدو، من امتلاكنا لِمَا تعدّه، من وجهة نظرها، أسلحة هجومية دون مشورتها. حضر إلى المملكة لمناقشة هذا الموضوع مبعوث الرئيس الأمريكي، السفير فيليب حبيب philip habib، المتمرس بشؤون الشرق الأوسط ( لا سيما القضية اللبنانية )، وتوجَّه في صحبة هيوم هوران لمقابلة الملك فهد. وأعتقد أنه خلال الاجتماع سلّم هوران ورقة إلى حبيب، ربما ليذكره بأن الوقت قصير، وأن عليه البدء مباشرة بمناقشة الموضوع الذي حضر إلى المملكة من أجله. طرح حبيب الموضوع بعبارات جافة، حتى إن المترجم السعودي اضطر إلى التخفيف من حدتها إلى درجة كبيرة. لكن هوران الذي يتقن العربية صحَّح ما نقله المترجم، وفسَّر رسالة حبيب بدقة أكثر. وهنا، لم يرُق للملك ما عدّه تدخلاً غير مشروع في السياسة الدفاعية للمملكة، كما لم يرُق له إلحاح المبعوثَين الأمريكيين الذي كان يفتقر إلى الدبلوماسية، ورد عليهما بلهجة حادة موجِّهاً توبيخه إلى هوران بشكل خاص؛ لأنه عدّه المحرض الأول على هذا التصرف. وأظن أن هوران أخبر وزارة خارجيته بما حدث، موضحاً أنه لم يعد في قدرته العمل بكفاءة في المملكة، وهكذا تم استدعاؤه إلى الولايات المتحدة بعد فترة قصيرة. وبناء على التعليمات الصادرة من الملك وولي العهد، وتحت إشراف الأمير سلطان، اتخذتُ الخطوات التمهيدية لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والمملكة، من خلال محادثات أجريتها مع نائب وزير الخارجية الصيني. فبعد توطيد علاقاتنا الاستراتيجية، لم يعد هناك سبب لتأخير الاعتراف المتبادل أكثر من ذلك. وهذا ما كانت بكين تُلِحّ عليه منذ البداية. وبعد أن أتممت التفاصيل الخاصة بتطبيع العلاقات مع الصين وفتح السفارتين في عاصمتيْ البلدين، وضع وزيرا الخارجية اللمسات النهائية عليها. ثم توجَّه أخي بندر إلى بكين مرة أخرى، ليبلغ الصينيين موافقة الملك الرسمية على تلك الترتيبات. وفي وقت لاحق، رفعت إلى الأمير سلطان وإلى الملك توصية أطلب فيها منح الأمير بندر وعدد من كبار الضباط الأوسمة التقديرية تكريماً لهم وإشادة بدورهم، وتم ذلك التكريم بالفعل. أوصى الأمير سلطان بتعيين الفريق توفيق خالد علمدار - يرحمه الله - أول سفير لنا لدى الصين وكان الرجل عسكرياً قبل أن يصبح دبلوماسياً، وشغل منصب سفير المملكة لدى باكستان. وأكِنُّ له كل احترام وتقدير، وكنت أعرف أنه يدرك أهمية الصفقة، وأنه سيكون الرجل المناسب لو دخلنا في صفقات أخرى مع الصين مستقبلاً. كنت فخوراً ومبتهجاً لهذا الاختيار، لأن الفريق علمدار كان قائد الدفاع الجوي حين التحقت بتلك القوات في بداية خدمتي العسكرية، وقد حضر حفلة تخرجي في ساندهيرست ويعود الفضل إليه - بعد الله - في التحاقي بالدفاع الجوي. فبعد أن كنت أميل، في بادئ الأمر، إلى الالتحاق بسلاح المدفعية، وددت الانضمام إلى القوات الخاصة، إلاّ أنه كان حينذاك يبحث عن ضباط شبان يتكلمون الإنجليزية للاستفادة منهم في مشروع صواريخ هوك، التي كانت المملكة قد حصلت عليها للتوّ. ولذلك، وقع الاختيار عليَّ للالتحاق بالدفاع الجوي. وهكذا، كان ذلك القرار وراء إرسالي إلى بكين بعد ذلك بعشرين عاماً للتعاقد على " رياح الشرق ". المصدر : كتاب مقاتل من الصحراء - للأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيزhttp://www.moqatel.com/openshare/book/mok026.htm

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.