Shared by خالد التايدي (@khaled_taydi) 6 days ago

TwitMail followers: 0, following: 0

79 views , 1

القلوب الإسفنجية

القلوب الإسفنجية 1- مستهل: محاولة التفرد في المجالس والمجامع الافتراضية –مواقع التواصل- بما هو مخالف للسائد وما عليه الناس، بل ومصادمة ما تعارفت عليه الأمة عبر تاريخها العلمي الممتد لقرون، وترداد الشبهات والإشكالات حول قضايا دينية وتراثية بدعوى التعقلن والتنوير؛ كل أولئك بات موضة وديدن الكثيرين ممن تعجبُ لطول نفَسهم في الجدال والمراء وتأسفُ لأوقاتهم المهدرة في "قيل وقال" وفي نقاشات عقيمة بيزنطية حول مسائل لا تنفع الناشر ولا المتابع لهم في شيء من دينه أو دنياه. والمتلقفُ للشبهات المثيرُ لها في كل مناسبة يحسب أن ذلكم مبلغ العلم ومنتهاه، وعربون ذكاء ونوع نبوغ خُص به من دون السابقين، كيف لا؟ وهو يرد مقولات الأقدمين ويأتي عليها بالنقض بكل ما أوتي من وثوقية وتبجح معرفي، هازئا بجهودهم تارة وساخرا من عقولهم وعقول تابعيهم تارة. 2- حول الشبهة ترجع الدلالات اللغوية لمفردة "الشبهة" إلى كل ما له تعلق بالاختلاط والالتباس، فالشبهة هي اختلاط الحق بالباطل والتباسه بحيث لا يتبين بادي الرأي، وقد عرفها الإمام ابن القيم بقوله:"الشبهة: وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق"[1]. والشبهة ليست شرا كلها، فإن وافقت قلبا تشرّب العلم لم تؤثر فيه سلبا بل تكون عاملا من عوامل مضاعفة اليقين بعد الوقوف على زيفها وتهافتها. ومكمن العطب أن تصادف الشبهة قلبا خاليا من المعرفة؛ فتتمكن وينقدح الشك أول وهلة فإن تدوركت وإلا تتابعت الشبهات متخطفة القلب، ويبيت صاحبه شاكا مرتابا [2] 3- القلب الإسفنجي لهذا التشبيه قصة نصح عالٍ قدمه شيخ الإسلام "ابن تيمية" لتلميذه البار "ابن القيم" بعد أن أكثر الأخير من الإيرادات والإشكالات في جلسة علم جمعته مع أستاذه. يحكي ابن القيم الواقعة قائلا: "وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه وقد جعلتُ أورد عليه إيرادا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السِّفِنْجة؛ فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمَتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربتَ قلبك كل شبهة تمر عليها؛ صار مقرا للشبهات" يعلق ابن القيم بقوله: "فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك"[3] فالقلب الإسفنجي قلب مفرّغ يمتص كل شبهة واردة عليه ويتشربها، شأنه في ذلك شأن الإسفنجة التي تمتص كل سائل تقع عليه، فلا تسمع لصاحب هذا القلب من حديث إلا نضح الشبهات وإثارة ما وقر في قلبه من إشكالات، وكل إناء بما فيه ينضح. ومسار الشبهات مسار دائري ليست له نهاية، كل شبهة تفضي لأختها، يبدأ المرء بشبهات حول أصل الخليقة وأخبار الأمم السابقة، ثم يرتقي قليلا إلى إشكالات حول أصل الديانات وبعض الشرائع والأحكام القطعية الواردة في نصوص الوحي ورد بعض الأحاديث الصحيحة بدعوى مجانبتها للعقل والعلم، إلى أن يبلغ الذروة فتساوره الشكوك حول الذات الإلهية وصفاته الأزلية كالرحمة والعدل فيدلف من حيث لم يشعر إلى سؤال الوجود..هل ثمة إله يستحق أن يعبد ؟! والمتتبع لأحوال الشاكين ذوي القلوب الإسفنجية لا تخطئ عينه مدى موافقة مآلهم لمثال الحصون الخمسة الذي يضرب للإيمان، "فمثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة حصون، الأول من ذهب، والثاني من فضة والثالث من حديد، والرابع من آجر، والخامس من لبِن، فما زال أهل الحصن متعاهدين الحصن من اللّبِن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني، ثم الثالث حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمسة حصون: اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم أداء السنن، ثم حفظ الآداب، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها؛ فالشيطان لا يطمع فيه. فإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن، ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين."[4] 4- القلب الزجاجي الناس في تلقف المعلومات طرفان ووسط، فطائفة استهوتها الشبهات وغذّت وهم المعرفة عندها بآخر صيحات الإشكالات، وطائفة أخرى تشربت أي معلومة ملقاة وإن كانت خرافة لا يستسيغها عقل فضلا عن أن يدلل عليها بنقل؛ موسعة دائرة الارتياح واليقين المزيف، وكلا الطائفتين تمثل القلب الرخو الإسفنجي العامر بلا تبين أو نظر. أما الوسط؛ فأرباب القلب الزجاجي المحْكَم حيث لا يستقر الزيف فيكشفه بصفائه ويدفعه بصلابته. وسبيل ذلك علم وعبادة، فالمعرفة ركن ركين في اكتساب الصفاء البلوري المميِّز للواردات الممحّص لها، وكلما ازددت معرفة؛ ازدادت بلّورتك صفاء ومن المكدّرات خلوصا. والعبادة إكسير هذا القلب وبرْد يقينه، وبتعاهدك للحصون الخمس السالف ذكرها؛ تسلم قارورة قلبك أن تنخدش أو تتصدع، وخير معين لك؛ خبيء من عمل صالح تدلف به على مولاك مقلّب القلوب عز وجل. ________________________________ [1] ابن القيم، مفتاح دار السعادة ، ج1 ، ص 394. [2] ينظر المرجع السابق، ج 1، ص 395 [3] السابق، ج 1، ص 395 [4] ابن مفلح، الآداب الشرعية، ج 3، ص 552.

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.