Shared by بدر الدبيان (@Badr_AlDubayan) 1 year ago

TwitMail : 9, following: 0

509 views

أعمال السيادة في القضاء الإداري

​الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،، ​فقد نصّت المادة (14) من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ على أنهه "لا يجوز لمحاكم ديوان المظالم النظر في الدعاوى المتعلّقة بأعمال السيادة...". وكان هذا المبدأ منصوصاً عليه في المادة التاسعة من نظام ديوان المظالم السابق. ​بمقتضى هذا المبدأ لا يجوز لجميع المحاكم الإدارية بمختلف درجاتها التابعة لديوان المظالم النظر في أي دعوى تستهدف الطعن في أي تصرّف أو قرار إداري يتعلّق بأعمال السيادة سواء كان الهدف من الطعن إلغاء أو وقف تنفيذ التصرّف أو القرار الإداري أو التعويض عن ما ترتّب عليه من أضرار. ​وغالب الفقهاء والشراح في حديثهم عن أعمال السيادة يتطرّقون له في ظل حكوماتهم الجمهورية وهي تختلف عن الحكومات الملكية لكنهم وضعوا أطر عامة وإن كانت ليست دقيقة لتميّز أعمال السيادة عن غيرها يُستفاد منها. وقد اختلف الفقه والقضاء في تعريف أعمال السيادة: ​فعرفه بعض فقهاء القانون الإداري أعمال السيادة بأنها: الأعمال التي تصدر عن السلطة التنفيذية باعتبارها السلطة العليا في البلاد، أي حكومة تمثّل الدولة في مجال القانون العام الخارجي أو الداخلي، وليس باعتبارها جهة إدارة، وعرفت بأنها تلك الأعمال الصادرة من الدول بما تصدره الجهات العليا فيها والتي تدخل ضمن علاقاتها مع الدول الأخرى أو الهيئات أو الجمعيات أو المنظمات دولية كانت أو إقليمية وما يماثلها من أعمال أو قرارات الهدف منها الحفاظ على السلم والأمن الإجتماعي والصحة العامة، فحقيقتها أنها قرارات إدارية تصدر عن السلطة العليا وتتميّز بعدم خضوعها لرقابة القضاء سواء أكان بالإلغاء أو بالتعويض. ​وأوضح بعض فقهاء القضاء الإداري أن أعمال السيادة "تشمل كل ما يتعلّق بالصلات السياسية مع الدول الأجنبية وحالتي إعلان الحرب وإبرام السلم وضمّ أراضٍ إلى أملاك الدولة أو التنازل عنها والتحالف، وكل ما يتعلّق بتنظيم القوات البرية والبحرية والجوية وما إلى ذلك مما تتّفق طبيعته مع طبيعة هذه الأعمال. ​قضت محكمة القضاء الإداري المصري بتاريخ 21/4/1948 بأن أعمال السيادة هي الأعمال التي تتصل بالسياسة العليا للدولة والإجراءات التي تتّخذها الحكومة بما لها من السلطة العليا للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل أو الخارج. ​وجاء ذكر أعمال السيادة في حكم محكمة القضاء الإداري المصري بتاريخ 26/2/1951م بأنها "الأعمال التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة، فتباشرها بمقتضى هذه السلطة العليا لتنظيم علاقاتها بالسلطات العامة الأخرى داخلية كانت أو خارجية، أو تتّخذها إضطراراً للمحافظة على كيان الدولة في الداخل أو للذود عن سياستها في الخارج، ومن ثم يغلب فيها أن تكون تدابير تتّخذ في النطاق الداخلي أو في النطاق الخارجي، إما لتنظيم علاقات الحكومة بالسلطات العامة الداخلية أو الخارجية في حالتي الهدوء والسلام. وإما لدفع الأذى والشرّ عن الدولة في الداخل أو في الخارج في حالتيّ الإضطراب والحرب". ​وفي حكم صادر بتاريخ 2/5/1978 قالت محكمة القضاء المصري ما يلي: "ثمة معايير كثيرة يضعها الفقه والقضاء لتعريف أعمال السيادة التي يمتنع على محاكم مجلس الدولة النظر في الطلبات المتعلّقة بها، واستقرّت هذه المحاكم على أن أعمال السيادة هي تلك التي تصدر عن الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة فتباشرها بمقتضى هذه السلطة العليا لتنظيم علاقتها بالسلطات العامة الأخرى داخلية كانت أو خارجية أو تتّخذها إضطراراً للمحافظة على كيان الدولة في الداخل في الداخل أو الذود عنها في الخارج ومن ثم يغلب عليها أن تكون تدابير تتّخذ في النطاق الداخلي أو النطاق الخارجي إما لتنظيم علاقة الحكومة بالسلطات العامة الداخلية أو الخارجية في حالتي الهدوء والسلام وإما لدفع الأذى والشرّ عن الدولة عن الدولة في حالتي الإضطراب والحرب فهي تارة تكون أعمالاً منظّمة لعلاقة الحكومة بالمجلس النيابي أو منظمة للعلاقات السياسية بالدول الأجنبية، وهي طوراً تكون تدابير تتّخذ للدفاع عن الأمن العام من إضطراب داخلي أو لتأمين سلامة الدولة من عدو خارجي، وهذه وتلك أعمال وتدابير تصدر عن سلطان الحكم لا عن سلطة الإدارة، والضابط فيها معيار موضوعي يرجع إلى طبيعة الأعمال في ذاتها لا إلى ما يحيط بها من أمور عارضة". ​وجاء في أحكام ديوان المظالم (المحاكم الإدارية) في المملكة العربية السعودية النصّ على أن ما يصدره الملك من أوامر هي داخلة في أعمال السيادة، فقد جاء في الحكم رقم (20/د/إ/15 لعام 1431هـ) ما نصّه: و"بما أن المحاكم الإدارية استقرّت على أن الأوامر الملكية تعتبر من أعمال السيادة وفقاً للمادة (14) من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم (م/78) وتاريخ 19/9/1428هـ، والتي نصّت على أنه: "لا يجوز لمحاكم ديوان المظالم النظر في الدعاوى المتعلّقة بأعمال السيادة..."، وبالتالي فإنها لا تختصّ بنظر الطعن فيها إلغاءً أو تعويضاً، وصدر في ذلك حكم محكمة الإستئناف رقم 403/إس/6 لعام 1429هـ، ورقم 422/إس/6 لعام 1429هـ، وعليه فإن الدائرة تحكم بعدم إختصاص المحاكم الإدارية ولائياً بنظر الدعوى". تمييز أعمال السيادة عن غيرها: ​وفي سبيل تمييز أعمال السيادة عن غيرها فهناك ثلاثة معايير نصّ عليها فقهاء القضاء الإداري وأطنب فيها أستاذ القانون الإداري د. سليمان الطماوي، وهي كالتالي: المطلب الأول: معيار الباعث السياسي: ​معيار الباعث السياسي هو المعيار الذي اعتمده مجلس الدولة الفرنسي للأخذ بنظرية أعمال السيادة ويعدّ حكم مجلس الدولة في قضية Le Fitte الصادر في 1/5/1822 حجر الأساس في إعتماد هذا المعيار. ​وبمقتضاه يعدّ العمل من أعمال السيادة إذا كان الباعث عليه سياسياً، أما إذا لم يكن الباعث سياسياً فإنه يعدّ من الأعمال الإدارية التي تخضع لرقابة القضاء. ​وقد أخذ مجلس الدولة بهذا المعيار ليتلافى الإصطدام مع الإدارة لأنه معيار مرن يتيح للإدارة التخلّص من رقابة القضاء بمجرّد تذرّعها بأن الباعث على تصرّفها سياسي. المطلب الثاني: معيار طبيعة العمل: ​نتيجة لما وجّه إلى معيار الباعث السياسي من نقد لجأ الفقه والقضاء إلى إعتماد طبيعة العمل ومفهومه لتمييز عمل السيادة عن أعمال الإدارة الأخرى، وفي سبيل ذلك ظهرت إتجاهات عدة منها ما ذكره الطماوي في كتابه إلى التمييز بين العمل الإداري والعمل الحكومي إذ عدّ العمل حكومياً إذا قصد به تحقيق مصلحة الجماعة السياسية كلها والسهر على إحترام دستورها، وسير هيئاته العامة والإشراف على علاقاتها مع الدول الأجنبية وعلى أمنها الداخلي، وهذا النوع من الأعمال يندرج في ضمن أعمال السيادة ويمتنع عن رقابة القضاء، أما النوع الآخر الذي يتعلّق بالتطبيق اليومي للقوانين والإشراف على علاقات الأفراد بالإدارة المركزية أو المحلية، وعلاقات الهيئات الإدارية، بعضها بالبعض الآخر فيندرج في ضمن أعمال الإدارة الإعتيادية التي تخضع لرقابة القضاء. ​وأياً كان الإتجاه فإن التمييز بين أعمال الحكومة وأعمال الإدارة العادية بقي غير معتدّ به ويفتقر إلى أساس قانوني واضح مما دفع بالفقه إلى البحث عن معيار آخر يقوم على أساس حصر أعمال السيادة وهو المعيار الشائع في الوقت الحاضر. المطلب الثالث: معيار القائمة القضائية: ​إتّجه الفقهاء إلى إعتماد الإتجاه القضائي لتحديد ما يُعدّ من أعمال السيادة لعجزهم عن وضع معيار لتمييز أعمال السيادة بشكل واضح. ​ولعل أول من نادى بهذه الفكرة العميد "هوريو" الذي ذهب إلى أن "العمل الحكومي هو كل عمل يقرّر له القضاء الإداري وعلى رأسه محكمة التنازع هذه الصفة". ​وبناءً على ذلك فإن تحديد أعمال السيادة يعتمد ما يقرّره القضاء فهو يبيّن هذه الأعمال ويحدّد نطاقها، وقد أسهم مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع في وضع قائمة لأعمال السيادة تتضمن مجموعة من الأعمال أهمها: أولاً:​الأعمال المتعلّقة بعلاقة الحكومة بالبرلمان: ​وتشمل قرارات السلطة التنفيذية المتعلّقة بالعملية التشريعية كإقتراح مشروع قانون وإيداع هذا المشرّع أو سحبه، وكذلك القرارات الخاصة بانتخاب المجالس النيابية والمنازعات الناشئة عنها، قرارات رئيس الجمهورية المتعلّقة بالعلاقة بين السلطات الدستورية وممارسة الوظيفة التشريعية. ثانياً:​الأعمال المتّصلة بالعلاقات الدولية والدبلوماسية: ​فقد عدّ مجلس الدولة من قبيل أعمال السيادة القرارات المتعلّقة بحماية ممتلكات الفرنسيين في الخارج، ورفض عرض النزاع على محكمة العدل الدولية، وكذلك الأعمال المتعلّقة بالمعاهدات والإتفاقيات الدولية. ثالثاً:​الأعمال المتعلّقة بالحرب: ​ومن هذه الأعمال حقّ الدولة في الإستيلاء على السفن المحايدة الموجودة في المياه الإقليمية وقت الحرب، وكذلك الأوامر الصادرة بتغيير إتجاه السفن أو الحجز عليها أو على ما تحمله من بضائع. ​وعموماً فإن القاسم المشترك بين هذه الأعمال يتمثّل في تحصينها من رقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً، وعلى ذلك فقد اعتبرها الفقه الإداري ثغرة في بناء المشروعية، وحول القضاء رأب هذا الصدع من خلال الإتجاه نحو تضييق نطاق أعمال السيادة وإخراج بعض الأعمال ذات الطبيعة الإدارية منها، كذلك اتّجه مجلس الدولة الفرنسي إلى التخفيف من أثر أعمال السيادة فقرّر إمكان التعويض عنها، وهذا له حظ من النظر.

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.