Shared by د. إياد قنيبي (@EYADQUNAIBI) 4 years ago

TwitMail : 452,  : 1

2,166 views

خطورة تبرير الحكم بالقوانين الوضعية

السلام عليكم ورحمة الله. أحبتي الكرام نتابع سلسلة نصرة للشريعة. كنا قد بينا في الحلقات الثمانية الأخيرة مفاسد عقدية نتجت عن انخراط المنتسبين للعمل الإسلامي في هيكليات الحكم الوضعي. اليوم بعون الله نبين نتيجة أخرى خطيرة جدا ألا وهي: إيقاع عموم الناس في تبرير الحكم بغير ما أنزل الله.   هذا أمر مهم ودقيق للغاية إخواني فأرجو الانتباه له. حديثي هنا ليس عن الحكم بغير ما أنزل الله بل عن تبرير هذا الحكم. ومن قبيل التركيز لن أتعرض هنا لكفر الذي يحكم بغير ما أنزل الله أو عدم كفره والاستحلال وعدم الاستحلال. وإنما دعونا نرتب أفكارنا:   بداية، دعونا نتفق على أن الحكم بغير ما أنزل الله هو في أصله معصية، بغض النظر معصية مكفرة أو غير مكفرة. قبل الثورات العربية كان الخلاف بين علماء السلفية وعلماء السلاطين متركزا على ما إذا كان هذا الحكم كفرا أو معصية غير مكفرة، وإذا ما ذُكر قوله تعالى ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) كان علماء السلاطين يجهَدون في نقل سلطانهم من دائرة (الكافرون) إلى (الفاسقون) أو (الظالمون) ليثبتوا له اسم الإسلام ويوجبوا على شعبه بالتالي الطاعة له في غير معصية! كانوا يجهَدون في محاولة إثبات أن كفر حاكمهم هو كفر دون كفر. لكن صفاقة أكثرهم لم تبلغ بهم حد نفي أن هذا الحكم الوضعي معصية. إذن فلنتفق على أن الحكم بغير الشريعة معصية بغض النظر مكفرة أو غير مكفرة.   ثم لنتفق على أن كونها معصية أمر معلوم من الدين بالضرورة، لا يجوز لمسلم إنكاره، إذ الأدلة عليه مستفيضة محكمة كقوله تعالى ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)) وقوله تعالى: ((ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)) وقوله:  ((إن الحكم إلا لله)) وقوله: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية في حديث الترمذي وغيره، وإجماع  المسلمين على حرمة الحكم بغير الشريعة، وإجماعهم على حرمة تبديل مرجعية الشريعة بحيث يكون الحكم بغير ما أنزل الله قانونا متبعا ملزِما محميا بالقوة يُحمل عليه الناس ويعاقب من خالفه، وليس فلتات عارضة.   المصيبة التي أدى إليها اشتراك "إسلاميين" في هيكليات الحكم الجاهلية وعدم التمايز عنها أنهم بهذا لبسوا على من اتبعهم من الشعوب وأشركوهم معهم في تبرير الحكم بغير الشريعة واستحلال هذا الأمر المعلوم حرمته من الدين بالضرورة. فأصبحنا نسمع من بعض عامة الناس تبريرا بأن الشعوب غير مهيأة لتطبيق الشريعة وأن تطبيقها يعني استعداء النظام الدولي، وأن الحرية مقدمة على الشريعة، وأنه لا بد من سد حاجات الناس قبل تطبيقها. وغير ذلك من العبارات التي تبرر الحكم بغير ما أنزل الله ولو بشكل مرحلي.   كان علماء السوء يجهدون في محاولة إثبات الإسلام للحكام بادعاء أن الكفر إنما يقع إذا استحل الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله، ويرد عليهم علماء السلفية بأن هذا الحكم فعل مكفر في ذاته، استحل أم لم يستحل. فإذا بقطاعات من الناس تساق إلى الاستحلال ذاته.   لم تعد المسألة مقتصرة على التعذر بالعجز عن تطبيق الشريعة لعدم تمكن "الإسلاميين" من أجهزة الدولة. طبعا هذا ليس عذرا إذ قد بينا أنه لا يجوز لهم أن يشاركوا في حكم جاهلي هم غير ممكنين فيه وبينا الآثار المدمرة لذلك. لكن المشكلة أن بعض الناس دارت على ألسنتهم طروحات تبرر للــ"إسلاميين" تعطيل الشريعة حتى لو تمكنوا من أجهزة الدولة. وهذا يعني في المحصلة إيقاع الناس في استحلال أمر معلوم الحرمة من الدين بالضرورة وتسويغه وتبريره، واعتباره حكمة وعقلانية، مع اعتبار الحكم بالشريعة تهورا وغباء وعدم مراعاة للمرحلة!    هذا إخواني لا يختلف عن أن ننشر بين الناس استحلال الخمر أو الزنا أو الدفاع عن تعاطي الربا، ويعني إفساد عقائد الناس بضلالات هي شر وأسوأ أثرا من فتنة خلق القرآن أو التجهم و الإرجاء والاعتزال.   أيام الطواغيت الصرحاء كان القائمون بالحكم بغير ما أنزل الله شرذمة قليلين يتابعهم شريحة من المنتفعين، بينما عامة الشعب منكرون ولو بقلوبهم. أما الخطير في أيامنا، في أيام الحكم الجاهلي الملتحي! فهو إشراك قطاعات كبيرة من الناس في هذه الجريمة وتبريرِها بحيث يُخشى عليهم من إثم إقرارها واستحلالها كأنهم شاركوا في جريمة الحكم الجاهلي نفسها.    والأدلة على ذلك كثيرة في الأحاديث الصحاح كقوله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع)) (مسلم) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثم إنها تَخلُفُ مِن بعدِهم خُلوفٌ يقولونَ ما لا يَفعَلونَ ويَفعَلونَ ما لا يؤمَرونَ. فمَن جاهَدهم بيدِه فهو مؤمنٌ ومَن جاهَدهم بلسانِه فهو مؤمنٌ ومَن جاهَدهم بقلبِه فهو مؤمنٌ. وليس وراءَ ذلك منَ الإيمانِ حَبةُ خردلٍ)) (مسلم) هذا التبرير للحكم بالقوانين الوضعية يذهب حتى بأضعف الإيمان وحبات الخردل منه! وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)) وقوله في حديث الأربعة: ((ورجلٌ لم يُؤْتِهِ اللهُ مالًا ولا علمًا فهو يقولُ: لو أنَّ لي مالًا لعَمِلْتُ بعملِ فلانٍ، فهو بِنِيَّتِه، وهُمَا في الوِزْرِ سَواءٌ)). فمن برر الحكم بالقوانين الوضعية كان كمن حكم بها.   الأمر جد وليس بالهزل يا إخواني. والناس مع ذلك يحتفلون بالإنجازات! أية إنجازات؟! الرئيس افتتح مصنعا، وقع اتفاقية، زار مستشفى...كأن هذا كله يغطي على مصيبة المشاركة في الحكم بالقوانين الوضعية، وكأن هذه المعصية ليست شيئا إذا ما قيست بالــ"إنجازات" المتحققة، بل ليست معصية ابتداء!   قال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 28 / 524): (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب) اتباع شريعة غير شريعة محمد من أشكاله الحكم بغير الشريعة، وإنفاذ قوانين في أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم غيرِ القوانين التي أنزلها الله ليتعبد الناس بها. فانظر إلى ما قاله شيخ الإسلام في تسويغ مثل هذا الفعل!   وقال الشيخ محمود شاكر رحمه الله: (وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام)...إلى أن قال: (فمن احتج بهذين الأثرين (أثر ابن عباس: كفر دون كفر، وأثر أبي مجلز) وغيرهما في غير بابها، وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة سلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزلَ الله وفرضَ على عباده، (لاحظ، الكلام ليس عن الحاكم بغير ما أنزل الله، بل عمن سوغ حكمهم وتلمس الأعذار لهم. ما حكم هؤلاء عند الشيخ؟ قال:) فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين).   هنا أقول لإخواننا الذين يوافقوننا: لا تنصرفْ هممكم إلى المسارعة في تكفير هؤلاء المسوغين المبررين، بل إلى هداية الناس واستنقاذهم من هذا الخطر الذي يلوث عقائدهم، وبيان الحق لهم. فأهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق. ومسألة الحكم بالكفر فيها تحقيق شروط وانتفاء موانع، والفرق بين القول الناقض وغير الناقض للإيمان في هذه المسألة فرق دقيق. هدفنا تعريف الناس بأن تبريرهم هذا بغيض إلى الله ومهلكة نشفق عليهم منها. فإن أحسنا عرض ما لدينا من حق فأحسب أن كثيرا منهم يؤوب إليه إن شاء الله.   وأقول لمن يخالفنا: لا تأخذك العزة بالإثم يا عبد الله. أنا ما خاطبتك بهذه الكلمة لأكفرك وإنما لأبين لك خطر ما أنت عليه من تبرير الحكم بغير ما أنزل الله رحمة بك لعلك تلقى الله بقلب سليم. فلا تصم أذنيك فيصمك الله ولا تتعام عن الحق فيعميك الله يا هداك الله. كم من أناس بان لهم الحق برهة فتعاموا وافتروا على من ينصحهم وتعصبوا لحزبهم أو رمزهم فأعقبهم الله نفاقا في قلوبهم وقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.   هذه الانحرافات التدريجية هي التي أدت في النهاية إلى أن يقول نائب عن حركة "إسلامية" معروفة: "الخلافة الاسلامية، كما يقول كثير من المفكرين الاسلاميين، لن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً. كانت ملائمة لمرحلة تاريخية معينة، لكنها لا تصلح لعصرنا الحالي...الديمقراطية والحريات الحقيقية هي الأساس وتسبق الشريعة، التي لا يجوز شرعاً تطبيقها، وأنا جاهز لمحاججة الجميع، فهذا رأي فقهي معتبر"   هذا الكلام الذي هو جحود صارخ للحكم بما أنزل الله، بل وتحريم له! وإيجاب للحكم بغير الشريعة! أصبح يقال على أنه رأي فقهي معتبر! ويطرح للنقاش بين مؤيد ومعارض كنتيجة طبيعية للاستخفاف بمسألة المشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله!    خلاصة الحلقة: من مفاسد مشاركة الأحزاب المنتسبة للعمل الإسلامي في أنظمة الحكم الوضعي أنها لبست على البعض وأوقعتهم في تبرير الحكم الوضعي المعلوم حرمته من الدين بالضرورة.   نسأل الله أن يهدي عباده وإيانا لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله. 

Comments

Or to leave comment using your Twitter account.